أقلام يورابيا

هل تقترب الـ”يونيفيل” من نهاية مهمتها في لبنان؟

جمال دملج

تداولت وسائل إعلام عبرية مؤخرًا تسريبات مفادها أن الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، تدرس عدم التجديد لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) عند حلول موعد تجديد ولايتها السنوي في مجلس الأمن في شهر آب/أغسطس المقبل. وعلى الرغم من أن هذه التسريبات لم تقترن بعد بأي إعلان رسمي، إلّا أن مجرد طرحها في هذا التوقيت الحسّاس يثير تساؤلات جدية حول مستقبل القرار 1701، والمشهد الأمني والسياسي في جنوب لبنان، بل وربما في عموم الإقليم.

وبحسب تقارير نشرتها صحيفة “يسرائيل هيوم” ومواقع مقربة من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فإن المداولات الجارية بين واشنطن وتل أبيب تتناول ما تصفه هذه الجهات بـ”فشل يونيفيل في تنفيذ مهمتها”، لا سيما في ما يتعلق بمنع حزب الله من تعزيز بنيته العسكرية جنوب نهر الليطاني، في خرق واضح للقرار 1701 الذي صدر عقب حرب تموز 2006.

وتزعم المصادر الإسرائيلية أن القوات الدولية “أصبحت عاجزة أمام انتشار عناصر الحزب واستخدامهم القرى الجنوبية لتخزين الأسلحة وبناء بنى تحتية عسكرية”، وتُحمّل “القيادة اللبنانية والأمم المتحدة المسؤولية عن هذا الإخفاق”. وتضيف أن “الظرف الإقليمي الحالي، واحتمال التوصل إلى اتفاق أمني جديد على الحدود الشمالية لإسرائيل، يستدعي إعادة النظر في وظيفة القوات الدولية، وربما استبدالها بآلية رقابة أميركية – إسرائيلية مباشرة”.

محطات تاريخية

معلوم أن قوات “يونيفيل” تأسست في آذار/مارس 1978 بموجب القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وذلك إثر الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان المعروف بـ”عملية الليطاني”. وقد كُلّفت القوات بثلاث مهام رئيسية: تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، إعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها في المنطقة.

لكن تلك المهام اتّخذت أبعادًا أكثر تعقيدًا بعد الاجتياح الإسرائيلي الشامل للبنان عام 1982، ثم لاحقًا مع انسحاب إسرائيل الأحادي الجانب من الجنوب في العام 2000، إلى أن أُعيد توسيع ولاية “يونيفيل” بعد حرب تموز 2006 بموجب القرار 1701، الذي عزّز من عديدها وصلاحياتها.

النجاحات والإخفاقات: قراءة مزدوجة

يمكن القول، بكل أمانة، إن أهم النجاحات التي حققتها قوات حفظ السلام الدولية تتمثّل في التالي:

منع اندلاع مواجهات كبرى، حيث ساهم وجود “يونيفيل” في تجنّب تكرار سيناريوهات الحرب، قبل 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، من خلال آلية التنسيق الثلاثي التي تجمع بين القوات الدولية والجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي.

دعم الاستقرار المحلي، حيث أسهمت “يونيفيل” في تقديم مساعدات إنمائية وخدمات اجتماعية للمجتمعات المضيفة، ما ساهم في تخفيف التوترات وخلق مناخ من التعاون على المستوى المحلي.

رصد الانتهاكات، حيث وثّقت القوات الدولية بشكل دوري الخروقات من الجانبين، وأرسلت تقارير دورية إلى الأمم المتحدة، ما شكّل مرجعية قانونية وإعلامية مهمة.

أمّا بالنسبة إلى الإخفاقات، فأبرزها:

ضعف القدرة على الردع، حيث لم تنجح “يونيفيل” في منع حزب الله من تطوير قدراته جنوب الليطاني، رغم بنود القرار 1701 التي تحظر ذلك صراحة.

الاعتماد المفرط على التنسيق مع الجيش اللبناني، إذ أن الكثير من مهام المراقبة كانت مشروطة بموافقة الجيش اللبناني، ما جعل “يونيفيل” فعليًا عاجزة عن التحرّك في بعض الحالات الحرجة.

تعرّضها لهجمات وقيود، حيث واجهت “يونيفيل” في السنوات الأخيرة تضييقًا على حركتها، وتعرض بعض جنودها لهجمات ومحاولات ترهيب، في ظل تنامي الانتقادات من جانب فئات سياسية داخل لبنان.

الدوافع الأميركية – الإسرائيلية

يأتي التلويح بعدم التجديد في سياق إقليمي ضاغط، خصوصًا مع تصاعد التوتر على الحدود الشمالية لإسرائيل منذ بداية الحرب على غزة، والمخاوف من عودة اتساع رقعة المواجهة مع حزب الله. كما تسعى إسرائيل إلى تغيير قواعد الاشتباك، وتعتقد أن وجود “يونيفيل” بصيغتها الحالية لم يعد يخدم هذا الهدف.

من جهة أخرى، يمكن النظر إلى الخطوة بوصفها جزءًا من ضغوط أميركية أوسع على الدولة اللبنانية، والجيش اللبناني تحديدًا، تحت عنوان “ضبط السلاح غير الشرعي”، وهو ما يندرج في إطار إعادة هيكلة التوازنات الأمنية في المنطقة.

السيناريوهات المحتملة

أولًا، عدم التجديد فعليًا، ما قد يعني فتح الحدود الجنوبية على احتمالات خطيرة، لاسيما في غياب أي بديل واضح للمراقبة والضبط، حتى الآن.

ثانيًا، التجديد المشروط، عبر تعديل مهمة “يونيفيل” أو تقليص عديدها، ما يعكس توجهًا نحو تحميل لبنان مزيدًا من المسؤولية الأمنية.

ثالثًا، التجديد المعتاد مع لهجة سياسية جديدة، وهو السيناريو الأقرب حتى اللحظة، حيث تستخدم واشنطن وتل أبيب أداة التلويح بعدم التجديد كورقة ضغط تفاوضية.

وبين من يرى أن “يونيفيل” ضرورة دولية لحفظ الاستقرار، ومن يعتبرها مجرد واجهة غير فعّالة، تبقى الحقيقة أن هذه القوات تحوّلت بمرور الزمن إلى بند تفاوضي في معادلة معقّدة، تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية بالسياسية، والداخلية بالإقليمية.

ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام خطوة تمهيدية نحو تعديل جذري في قواعد اللعبة جنوب لبنان، أم أن كل ما يجري لا يعدو كونه ضغوطًا ظرفية في سياق مساومات لا تنتهي؟

حقيقة الأمر هو أن لا إجابات شافية حتى الآن!

إعلامي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى