من الكحول الفاسد إلى أزمة أخلاقية.. كارثة إنسانية في الأردن و”تنمّر إلكتروني” على جثث الضحايا
من سعيد الفلاحات

عمان ـ يورابيا ـ من سعيد الفلاحات ـ في تطور مروّع خرج عن السيطرة تدحرجت قضية الكحول الفاسد في الأردن إلى ما هو أبعد من كونها مجرد حالة تسمم جماعي لتتحول إلى أزمة وطنية متعددة الأوجه امتدت آثارها إلى الصحة العامة والمجتمع والضمير الجمعي بعد أن سُجلت تسع حالات وفاة مؤكدة حتى مساء الاثنين وأكثر من سبعة عشر إصابة بعضها في حالة خطرة فإن مؤشرات الخطر لا تقتصر فقط على عدد الضحايا بل تمتد إلى الفوضى التنظيمية والرقابية التي سمحت لمشروبات سامة تحتوي على مادة الميثانول القاتلة بالوصول إلى الأسواق والمتاجر بل وحتى إلى أيدي مواطنين من مختلف الأعمار والمناطق في مشهد صادم يدل على مدى هشاشة منظومة الرقابة على المنتجات الاستهلاكية وعلى رأسها الكحول التي وإن كانت قانونية في الأردن فإنها ظلت طوال سنوات تتأرجح بين التنظيم القانوني والابتزاز الأخلاقي
وعلى خلفية هذه الكارثة بدأت الأجهزة الأمنية بحملة موسعة طالت مصانع كحولية في مناطق مختلفة وعلى رأسها مدينة الزرقاء التي جرى فيها إغلاق ثلاثة مصانع والتحقيق مع ما لا يقل عن اثني عشر شخصًا فيما تتولى فرق فنية من الغذاء والدواء جمع وتحليل عينات من مشروبات يشتبه بفسادها أو بتزوير مصدرها أو بتاريخ إنتاجها كما تقوم لجان طبية بمتابعة المصابين الذين أظهرت تقاريرهم أعراضًا تتطابق مع التسمم بالميثانول وهي مادة تستخدم عادة كمذيب صناعي لا يصلح للاستهلاك الآدمي ويؤدي ابتلاعها إلى تأثيرات عصبية قاتلة تتدرج من فقدان البصر وصولًا إلى توقف التنفس والموت السريع وهي المادة نفسها التي تُستخدم في أسوأ أنواع الغش الكحولي لأنها رخيصة ويمكن تمريرها ضمن تركيبة المشروبات المصنعة محليًا دون أن يكشفها المستهلك العادي
لكن ما أضفى على القضية بُعدًا أكثر سوداوية لم يكن فقط عدد الموتى أو خطر انتشار كحول قاتل في الأسواق بل ذلك الطوفان من التعليقات اللاذعة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي وشكلت موجة سخرية جماعية ممنهجة بحق الضحايا حيث لم يتوانَ آلاف المستخدمين عن إطلاق النعوت الجارحة والعبارات الساخرة من قبيل السكرجية والمجانين والانتحاريين بل إن بعضهم ذهب أبعد من ذلك حين وصف الضحايا بأنهم نالوا عقابهم الإلهي واعتبر وفاتهم نوعًا من القصاص الأخلاقي وكأن موتهم ليس مأساة بل خبر طريف في فقرة من فقرات التسلية وهو سلوك صادم يعكس هشاشة الوعي الجمعي وضحالة الحس الإنساني في مجتمع تتغلب فيه أحيانًا النزعة الأخلاقوية على مبدأ التعاطف مع الضحية بل ويدين الإنسان لأنه ضحية بدلًا من مساءلة من ارتكب الجريمة
وقد دفعت هذه السخرية بعض النشطاء الحقوقيين والإعلاميين إلى دق ناقوس الخطر بخصوص اتساع رقعة التنمر الرقمي في الأردن حيث بات التنكيل بالضحايا وتحميلهم ذنب ما أصابهم سلوكًا شائعًا يرافق كل أزمة تقريبًا خصوصًا إذا كانت الضحية تنتمي إلى فئة مهمشة اجتماعيًا أو خارجة عن القالب الأخلاقي السائد ففي الوقت الذي كانت فيه العائلات تودع أبناءها والمصابون يرقدون في المستشفيات كانت منصات التواصل تغص بالنكات اللاذعة والإهانات الصريحة بل إن بعض المؤثرين انضموا إلى موجة التنمر متجاهلين تمامًا أن القضية ليست خيارًا فرديًا في شرب الكحول بل منظومة فساد سمحت بتوزيع سم قاتل على نطاق واسع وسط غياب للرقابة وفشل في الإنذار المبكر
ومع تصاعد الأصوات المطالبة بمحاسبة المسؤولين لم تُصدر الجهات الرسمية حتى الآن أي توضيح بشأن التراخيص التي منحت لتلك المصانع أو آلية الرقابة عليها أو مدى تورط موظفين رسميين في التغاضي عن المخالفات وهو ما أثار شكوكًا في الشارع بشأن ما إذا كانت هناك حماية سياسية أو إدارية لبعض الأطراف المتورطة خاصة أن إنتاج الكحول في الأردن يتم تحت مظلة قانونية وتحت عين المؤسسات التي من المفترض أن تراقب الجودة وتمنع الغش ما يطرح السؤال حول مدى التواطؤ أو التقصير الذي أدى إلى كارثة إنسانية بهذا الحجم
وفي خضم هذه الفوضى الأخلاقية والرقابية يصر بعض المراقبين على أن المشكلة الحقيقية تتجاوز شحنة فاسدة من الكحول إلى أزمة بنيوية في التعاطي مع فكرة الضحية ومفهوم العدالة العامة ففي مجتمع لا يتساوى فيه الناس في الحزن على موتاهم ولا في قيمة حياتهم يصبح من السهل أن يتحول الضحايا إلى مادة للشماتة بدلًا من أن يكونوا ناقوسًا يوقظ الضمير أما الدولة التي تجبي الضرائب من الكحول وتمنح رخص الإنتاج والتوزيع فلا يحق لها التهرب من مسؤولية حماية المستهلك سواء أكان سائحًا أو مواطنًا أو أي فرد قرر أن يشتري زجاجة كحول من سوق قانوني متاح للجميع
ومن هنا فإن القضية لم تعد فقط جنائية أو صحية بل تحولت إلى سؤال مركزي عن شكل الدولة وحدود دورها وموقع الضحية في مجتمع يسارع إلى إصدار الأحكام بدلًا من إحقاق العدالة وقدرة المؤسسات على التصرف كدولة قانون تحمي الناس لا كمرجعية أخلاقية تصنف موتهم بحسب مقاييس الفضيلة العامة
وفي الختام يبدو أن هذه الكارثة لم تسفر فقط عن سقوط ضحايا بالجملة بل كشفت عن ثقوب عميقة في منظومة الرقابة وثغرات أعمق في الوعي الجمعي الذي ما زال عاجزًا عن التفريق بين المحاسبة والمُحاسبة بين الجريمة والسلوك الشخصي بين العدالة والتشفي وهو ما يجعل من المأساة مرآة عاكسة لواقع أكثر قسوة من مشروب قاتل