أقلام مختارة

هل حقاً عبث الموساد بإيران؟

توفيق رباحي

أطلقت الحرب الإسرائيلية على إيران وما رافقها من تقارير عن اختراق أمني واستخباراتي واسع، العنان لنقاشات عالمية هائلة. اقتربت القصص من الخيال في بعض الأحيان، واتجهت أغلب الآراء إلى تمجيد «الأداء الأسطوري» لجهاز الموساد وطياري سلاح الجو الإسرائيليَين.
على ذمة الأخبار، كان العمل دقيقا يحاكي ما نفذته إسرائيل ضد حزب الله في لبنان الخريف الماضي، مع اختلاف الهدف هذه المرة.. إيران وليس غيرها، ما يزيد الحبكة ودرجة الانبهار.
من المنطقي أن يصاب العالم بالذهول وهو يتابع الأخبار عن أن سلاح الجو الإسرائيلي يُبيد كما يحلو له كبار القادة الأمنيين والعسكريين في إيران ومعهم مَن شاء من العلماء النوويين.
ومن المنطقي أن تستثمر إسرائيل في هذه الأخبار وتكرّس في العالم أن جواسيسها وطياريها حققوا في الساعات الأولى من الحرب ما لم يحقق غيرهم خلال شهور وسنوات.
كثرت الإشادات وتكررت في مختلف وسائل الإعلام العالمية (التدفق الإعلامي في اتجاه واحد معاد لإيران) بشكل قد يدفع منصة نتفليكس لإنجاز أفلام أو مسلسلات عن العملية.
لا يمكن فصل الموضوع برمته عن الحملات المعنوية التي تعمل عليها إسرائيل بشكل يومي ويتعاظم الاهتمام بها في جولات الصراع العسكري أو السياسي. ولهذا كان من المستحيل أن تُضيّع إسرائيل فرصة ثمينة كهذه دون توظيفها في الحرب النفسية. الهدف إصابة الإيرانيين بالصدمة والذعر ودفعهم إلى اليأس والتشكيك في قدرة حكومتهم على حمايتهم، ثم شعوب الشرق الأوسط والمشككين عبر العالم.
لكن بأمانة، هل هذا كل ما في الأمر؟ هل فعلا الموساد بكل هذه السطوة والدقة والتفوق؟ إلى حد بعيد نعم، الاستخبارات إحدى أقوى أدوات وأسباب تفوق إسرائيل على جيرانها. لكن هناك معطيات أخرى ضاعت وسط ضجيج الإشادة الذي أنسى الناس حقائق وأسئلة مهمة، أولها: إذا كان الموساد بهذه السطوة والقوة فلماذا أخفق في توقّع 7 أكتوبر 2023 رغم أن التحضيرات لها جرت على أبواب إسرائيل وكان يمكن سماعها بالأذن ورؤيتها بالعين المجردة؟
الجواب السريع أن الموساد قوي في العمل الهجومي. العمل الهجومي يعني أنك صاحب المبادرة، تمتلك ترف التحكم في الوقت ووضع خطط اللعبة ثم تعديلها أو مسحها ورسم أخرى من جديد. أما عندما تكون مستهدفا فالخصم هو صاحب المبادرة والمتحكم في التفاصيل، وليس أنت.
في حالة إيران وحزب الله امتلك الموساد زمام المبادرة، وقيل إنه قضى سنوات في الإعداد للعملية مستعينا بخدمات جليلة يقدمها له حلفاؤه. في حالة 7 أكتوبر لم يمتلك الموساد ترف الوقت، واستنتاجا لم يستفد من خدمات الحلفاء والأصدقاء.

اللغز كله هنا.. الأصدقاء والحلفاء. الموساد ليس كائنا منفصلا عمّا حوله، هو جهاز يعمل ضمن مجموعة أجهزة استخباراتية غربية قوية ويُحظى منها بمعاملة تفضيلية. عندما يتعلق الأمر بأعداء إسرائيل، وخصوصا إيران، تضع الاستخبارات والأجهزة الأمنية الغربية نفسها تحت تصرف الموساد وتتجنّد لخدمة إسرائيل.
في الحرب على غزة تشارك دول غربية قوية، منذ اليوم الأول، بأساليب متنوعة أبرزها الاستخبارات. بالتوازي مع الجسر الجوي الأمريكي والغربي المفتوح نحو إسرائيل منذ 7 أكتوبر، هناك جسور استخباراتية مدَّتها أكثر من دولة في اليوم نفسه وبقيت مفتوحة إلى هذه اللحظة.
من دون الجسر الجوي العسكري كان يستحيل أن يصمد الجيش الإسرائيلي كل هذه المدة في غزة. ومن دون الجسر الاستخباراتي الغربي لا يمكن أن يحقق الموساد في إيران (وغيرها) كل تلك النتائج.
ما سبق يكمّله الواقع المعقّد داخل إيران وما يثيره من أسئلة. هناك أسئلة سهولة انجرار المؤسسة الأمنية والسياسية الإيرانيتين وراء التضليل الأمريكي (مثل حديث ترامب عن جولة مفاوضات مسقط المقبلة وتفضيله الحلول الدبلوماسية وهو يعلم أن الطائرات الحربية الإسرائيلية بصدد الإقلاع نحو إيران). وهناك لغز التقاء العديد من كبار القادة الأمنيين والعسكريين في وقت واحد في أمكنة مألوفة ومعروفة. وأسئلة حول أسلوب حياة العلماء النوويين إذ ساد الانطباع بأن السلطات تعاملهم كموظفين عاديين يعيشون في مجمعات حكومية وربما ينقلهم باص المؤسسة إلى مواقع عملهم صباحا ويعيدهم مساءً. وعن أساليب تعاطي المسؤولين الإيرانيين مع الزوار الأجانب الرسميين.
من تفسيرات سهولة الاختراقات الإسرائيلية التركيبة الاجتماعية والعرقية للمجتمع الإيراني والظروف الاقتصادية الصعبة التي تُسهّل تجنيد العملاء. أما اغتيال كبار القادة الأمنيين فيمكن البحث عنه في العوامل الروحية والعقائدية لدى الإيرانيين وما ينبع عنها من إيمان بالرغبة في تساوي الناس لما يتعلق الأمر بالموت من أجل العقيدة أو الوطن، واستنتاجا عدم أخذ احتياطات أمنية استثنائية.
أما سهولة اغتيال إسرائيل للعلماء فيصعب إيجاد تفسير لها خارج التقصير في حقهم. هذه السهولة تُغري بالفرضية الآتية: وكالات الأمم المتحدة أوكار للجواسيس، من المقرات المركزية في نيويورك وجنيف إلى أصغر بعثة في أبعد بلد في الكرة الأرضية. الكل يتجسس على الكل، فمن الوارد أن أحد (أو بعض) الموظفين الدوليين الذين تعاقبوا على زيارة إيران ومنشآتها النووية كانوا جواسيس لإسرائيل. وكل ما تحتاجه للوصول إلى شخص وأسرار حياته رقم هاتفه. وطلب الحصول على رقم هاتف هذا العالم أو ذاك مُبرَّر بالنسبة للموظفين الدوليين «وفي نظر السلطات الإيرانية كذلك».
في حالتي القادة العسكريين والعلماء النوويين، الأمر ينمُّ عن تقصير مرفوض يجب أن يكون درسا لإيران ولغيرها في إدارة العلاقات مع الغرب في أوقات الحرب والسلم معاً، خصوصا في المواقف التي يتحوّل فيها هذا الغرب إلى وكيل لإسرائيل يفاوض باسمها ويحمي مصالحها أكثر من مصالحه.

كاتب صحافي جزائري

عن صحيفة القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى