“من الشبيحة إلى المطبلين.. تبدّل الأسماء وثبات الأخلاق في سوريا المتجددة”
أحمد المصري

لم تكن سوريا، في ظل نظام الأسد الابن او الاب، بحاجة إلى الكثير من الأقنعة لتخفي وجهها الأمني القمعي والوحشي. كل شيء كان مكشوفًا: من الأفرع الأمنية، إلى البسطار العسكري، إلى لسان الشبيحة الطويل والمُرهب الى المقتلة التي استمرت لاكثر من 14 سنة، ولا يوجد انسان يحمل ذرة إنسانية يخفي سعادته بسقوط ذلك النظام.
لكن ما يجري اليوم في “سوريا الجديدة” – تلك التي رفعت شعار التغيير بعد سقوط النظام السابق – يدفع إلى سؤال جوهري: هل تغير النظام فعلاً، أم فقط أعادت السلطة الجديدة ترتيب ديكور القمع بلون جديد ومصطلحات محسّنة؟
عندما ننظر إلى سلوك ما يُعرف اليوم بـ”المطبلين” أو “المؤيدين المتحمسين” للسلطة الجديدة، لا نجد فارقًا أخلاقيًا حقيقيًا يميزهم عن شبيحة الأمس. قد يكون اللباس مختلف، والكلمات أكثر حداثة، وربما حتى المواقف أكثر “وطنية” في ظاهرها، لكن المنطق العميق الذي يحكم سلوكهم لا يزال هو نفسه: الولاء الأعمى، الشتم الممنهج، التبرير المستمر لأي قمع، والتهجم على كل معارض، أياً تكن نواياه أو أدلته.
هؤلاء المطبلون لا يدافعون عن مشروع وطني حقيقي بقدر ما يدافعون عن مصالحهم الشخصية، التي ارتبطت بشكل مباشر بصعود السلطة الجديدة.
وكما فعل شبيحة الأسد حينما ربطوا بقاءهم بالقوة ببقاء النظام، يفعل المطبلون الجدد الأمر ذاته، ولكن بشعارات مختلفة: يتحدثون عن “بناء الدولة”، لكنهم يقصون كل صوت لا يصفق.
يتغنون بـ”العدالة”، بينما يدوسون على أبسط مبادئها حين يُطالب بها معارض سياسي أو ناشط مستقل. حتى اللغة، التي يفترض أنها جزء من تحول ديمقراطي، أصبحت لديهم أداة ترهيب ناعمة، تُستخدم لتشويه الخصوم وتمييع الحقيقة.
في الجوهر، لم يتغير شيء كبير: ما زلنا نعيش في نظام يُفرز أدواته الدعائية بحسب المرحلة. في زمن الأسد، كانت الشبيحة تعبيرًا فجًّا عن العنف والولاء الطائفي. في سوريا ما بعد الأسد، أصبح لدى السوريين نسخة محسنة: شبيحة يرتدون البدلات الرسمية والاهم انهم بلحية، يطلّون من شاشات فضائية أو يتصدرون تويتر وفيسبوك بلغة “ثورية” تُمجّد الإصلاحات وتخوّن من يطالب بإصلاح أعمق.
تحت حكم الرئيس أحمد الشرع، ورغم الخطاب الذي يتحدث عن “الانتقال السلمي” و”إعادة بناء الدولة”، تتكرر أنماط مألوفة من الممارسات القديمة. أصوات معارضة – حتى من داخل المعارضة السورية – تم إسكاتها أو دفعها للاستقالة. شخصيات مستقلة كانت مرشحة للمشاركة في صياغة المرحلة الجديدة جرى تهميشها لأنها لم تُظهر الولاء الكافي للرئيس أو لم “تطبل” له بما يكفي.
الرسالة الضمنية واضحة: إما أن تصفق، أو تُقصى. وإما أن تبارك كل قرار، أو تُتهم بمحاولة زعزعة الاستقرار.
الأسوأ من ذلك، أن هذا النمط السلوكي يُعيد إنتاج البنية التي ثار السوريون عليها: البنية التي ترى الدولة غنيمة، والمعارضة خيانة، والناقد عدوًا. وإن سُمح بقدر من حرية التعبير اليوم، فهي غالبًا حرية محسوبة بدقة، لا تُهدد جوهر السلطة ولا تقترب من دائرة نفوذها، تمامًا كما كانت في السنوات الأولى لحكم الأسد الابن.
لا نطالب هنا بالمثالية السياسية، ولا نتوقع من كل مؤيد للسلطة أن يتحول إلى معارض، لكن ما نطمح إليه – وهو أدنى شروط التحول الديمقراطي الحقيقي – هو أن يتخلى هؤلاء المطبلون عن ميراث الشبيحة الأخلاقي.
أن يتعلموا ثقافة النقد الذاتي، واحترام الرأي الآخر، والكفّ عن السلوك الإقصائي الذي يضرب أي فرصة لمصالحة وطنية أو تعايش سياسي.
ما يجري يؤكد أن المشكلة في سوريا لم تكن فقط في بشار الأسد، بل في بنية سلطوية كاملة، تتغذى على الخوف، وتُغذّي نفسها بالولاء المطلق.
والسلطة الجديدة – حتى الآن – لا تبدو راغبة في تفكيك هذه البنية بقدر ما تعيد إنتاجها بأدوات جديدة: بدل البسطار، لغة إعلامية ناعمة. بدل الرصاص، تشويه معنوي. لكن الهدف واحد: إسكات النقد، وتكريس الهيمنة.
لا يمكن الحديث عن “سوريا جديدة” طالما تُقابل المطالب المشروعة بالقمع، وطالما يُمنح المطبلون امتيازات مقابل الولاء، في حين يُعامل أصحاب الرأي الحر كخطر داهم. التغيير الحقيقي لا يبدأ من الشعارات ولا من إعادة هيكلة الأجهزة، بل من احترام الإنسان، وحقه في التعبير عن رأيه، والاختلاف، والمشاركة.
فالثورة الحقيقية لا تُقاس بعدد التعيينات، ولا بإعادة هيكلة الوزارات، ولا حتى برفع العقوبات. بل تُقاس بتغير عميق في وعي الناس، وخصوصًا أولئك الذين يرون أنفسهم حماة النظام الجديد. وإذا لم يكن هناك فرق بين مطبل اليوم وشبيح الأمس، فما الذي كان السوري يحلم بتغييره إذن؟