السلايدر الرئيسيتحقيقات

“رجل الظل” في غزة.. عميل الاستخبارات الأمريكية السابق يقود مشروع توزيع المساعدات وسط غموض وتشكيك

من سعيد العامودي

غزة ـ يورابيا ـ من سعيد العامودي ـ  في الوقت الذي تتضارب فيه التصريحات حول آلية انطلاق وتوزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، تكشف تقارير دولية عن تفاصيل غير مسبوقة تتعلق بالشخصية التي تقف وراء هذا المشروع بالغ الحساسية والتعقيد، الذي يجمع بين البعد الإنساني والمخاطر الأمنية، في منطقة تتسم بأحد أكثر النزاعات دموية في القرن الحادي والعشرين.

الشخصية الغامضة: فيل رايلي – رجل الاستخبارات السابق على رأس شبكة المساعدات

بحسب ما أوردته صحيفة “إسرائيل اليوم” نقلاً عن مصادر أجنبية، فإن إدارة النظام اللوجستي والأمني لتوزيع المساعدات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة، أوكلت إلى شركة أمنية أمريكية خاصة تُدعى “SRS”، يديرها فيل رايلي، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات الأمريكية السابقين.

رايلي، الذي يتمتع بخبرة تمتد لأكثر من 29 عاماً في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الاستخبارات الوطني، يوصف بأنه خبير في شؤون الميليشيات والأنشطة شبه العسكرية، حيث عمل في مناطق نزاع ساخنة حول العالم، داخل الولايات المتحدة وخارجها، وفي سياقات عملياتية وأمنية دقيقة.

ورغم خلفيته الغنية، فإن المعلومات المتاحة عنه وعن شركته لا تزال محدودة للغاية. فشركة “SRS” – المعروفة بتقديم خدمات الأمن، اللوجستيات، وتشغيل المنشآت في بيئات قتالية – تعمل عادة في السر، ونادراً ما تُدرج تفاصيل نشاطاتها علناً.

شبكة توزيع المساعدات: لوجستيات معقدة وبيئة متفجرة

وفق تقرير نشرته واشنطن بوست، يُفترض أن تقوم شركة رايلي بتأمين وتشغيل أربعة مجمعات إنسانية داخل غزة، وهي النقاط التي سيتم فيها تسليم المساعدات للسكان. وقد صُممت هذه المجمعات لتكون محمية تماماً، مع وجود رقابة صارمة لمنع وقوع المساعدات في يد حركة حماس، التي تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة منظمة إرهابية.

وتظهر صور الأقمار الصناعية الحديثة تطورات ميدانية تشير إلى بدء العمل فعلياً في المشروع، حيث يجري تشييد ثلاثة مجمعات ضخمة شمال وغرب مدينة رفح، مع رصف طرق تربطها بالحدود المصرية. كما شوهدت مؤشرات على وجود مجمع رابع جنوب محور نتساريم، وهو ما يتسق مع التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن خطة توزيع المساعدات.

وتشير المحادثات الداخلية اإلى أن  (SRS)، الشركة الأميركية التي تم التعاقد معها لتأمين توزيع المساعدات الإنسانية في غزة، من المفترض أيضاً أن تنفذ سلسلة من المهام ذات طبيعة عسكرية استخباراتية متميزة. ومن المفترض أن تقوم الشركة بتشغيل حواجز الطرق، ومعالجة المعلومات البصرية واستخدامها لتحديد هوية عناصر حماس وحاملي الأسلحة.
سيعتمد هذا النشاط على الصور الملتقطة من الكاميرات والطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية. وبحسب ما هو معلوم فإن الشركة لا تمتلك البنية التحتية اللازمة، ومن المتوقع أن يعتمد ذلك على معلومات تأتي من جيش الدفاع الإسرائيلي. وفي الساعات الأربع والعشرين الماضية، أشارت التحقيقات التي أجرتها صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطنب وست إلى أن برنامج توزيع الأغذية في غزة، والذي تلعب فيه منظمة SRS دوراً محورياً، هو في الواقع خطوة إسرائيلية تحاول إسرائيل إخفاءها عمدا.

تجنيد واسع النطاق ورواتب باهظة

نشاط شركة “SRS” عبر شبكة “لينكدإن” يعكس توسعاً لافتاً في عمليات التوظيف، حيث أعلنت عن حاجتها لمقاتلين ذوي خبرة برواتب يومية قد تصل إلى 1100 دولار، إلى جانب توظيف لوجستيين، خبراء في العمل الإنساني، وحراس أمن يجيدون اللغة العربية بطلاقة.

هذا التركيز على الموارد البشرية يعكس تعقيد المهمة وتداخل البعد الأمني مع الإنساني، ويثير تساؤلات في الأوساط الحقوقية والإنسانية حول ما إذا كانت هذه “الخصخصة” للعمل الإنساني تمثل استجابة فعالة للاحتياجات على الأرض، أم امتداداً لمقاربات أمنية في إدارة ملف المساعدات.

بين الغموض والانتقادات.. أسئلة بلا أجوبة

رغم الجهود الجارية، يبقى الكثير غير واضح حول الدور الحقيقي لشركة “SRS”، ومدى التنسيق بينها وبين منظمات الإغاثة الدولية، خصوصاً في ظل التشكيك المتزايد في جدوى الخطط الإسرائيلية لإنشاء “مناطق إنسانية آمنة” داخل قطاع غزة.

كما أن عمل موظفي الشركة – بحسب تقارير صحفية – خلال فترة وقف إطلاق النار، كمراقبين لتحركات السكان على الطرق الرئيسية في غزة، يثير علامات استفهام حول مدى حياد المهمة، واحتمالات توظيفها لأهداف غير إنسانية.

خلاصة المشهد.. مساعدة تحت الرقابة

بينما يواجه سكان غزة ظروفاً إنسانية قاسية ومجاعة تهدد الملايين، تتجه الأنظار إلى هذا “الرجل الظل” وفريقه الخاص، الذي يتحرك بهدوء في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، في مهمة معقدة يتقاطع فيها الأمن بالاستخبارات والإنسانية بالمصالح السياسية.

في ظل هذا الخليط الحاد من المساعدات والرقابة والخصخصة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يشكل هذا المشروع بارقة أمل حقيقية للغزيين، أم خطوة إضافية نحو عسكرة المساعدات وتعقيد العمل الإنساني في القطاع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى