كيف أشعلت الفنادق التي تؤوي طالبي اللجوء عاصفة سياسية في المملكة المتحدة؟
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ تحوّلت الفنادق التي خصصتها الحكومة البريطانية لإيواء طالبي اللجوء إلى محور صراع سياسي محتدم داخل البلاد، بعدما أصبحت هذه المساكن المؤقتة رمزًا للأزمة الأوسع المرتبطة بالهجرة، وللخلافات العميقة حول كيفية التعامل مع الأعداد المتزايدة من الوافدين.
يقيم عشرات الآلاف من طالبي اللجوء في فنادق منتشرة بأنحاء المملكة المتحدة، بعضهم لسنوات، في ظروف وُصفت بغير الملائمة وغير المستقرة، فيما تتعثر معالجة طلباتهم داخل نظام يعاني من بطء شديد. ووفقاً لبيانات وزارة الداخلية حتى يونيو/حزيران، يعيش قرابة 32 ألف شخص في أكثر من 200 فندق، وسط تصاعد الانتقادات من جميع الأطراف: من اليمين الذي يطالب بتشديد السياسات، ومن المنظمات الحقوقية التي ترى أن الفنادق لا تصلح للعيش طويل الأمد.
وقد ازدادت حدة الجدل في الأسابيع الأخيرة بعد سلسلة من الاحتجاجات – بعضها عنيف – أمام الفنادق في مناطق متعددة، كان أبرزها في إيبينغ شمال لندن، حيث أصبح فندق “بيل” نقطة اشتعال رمزية للصراع. وعقب اتهام أحد طالبي اللجوء المقيمين فيه باعتداء جنسي – وهو ما ينفيه – اشتعلت المظاهرات، ورفعت قضايا قانونية من قبل المجالس المحلية لمنع استمرار استخدام هذه الفنادق كمراكز إقامة.
وقد ألغت محكمة استئناف بريطانية قرارًا قضائيًا سابقًا يمنع استخدام فندق بيل لإيواء طالبي اللجوء، معتبرة أن المحكمة العليا أخطأت في احتساب الاحتجاجات المحيطة بالفندق كأحد مبررات المنع. وجاء القرار بمثابة ضربة لمجلس مقاطعة إيبينغ فورست الذي كان قد استصدر أمراً قضائيًا بإخلاء الفندق بحلول 12 سبتمبر. ورغم ذلك، تعهد المجلس بمواصلة معركته القانونية في جلسة استماع جديدة مقررة في أكتوبر/تشرين الأول.
أثارت هذه التطورات استقطابًا سياسيًا حادًا، إذ استغل حزب الإصلاح البريطاني اليميني، بقيادة نايجل فاراج، القضية لتوسيع حملته المناهضة للهجرة، معلنًا عن خطط لترحيل جماعي لنحو 600 ألف مهاجر غير شرعي إذا فاز في انتخابات 2029، واصفًا الوضع بـ”الغزو” ومطالبًا بالانسحاب من معاهدات دولية تعيق هذه الخطط.
لكن الاعتراضات على سياسات الفنادق لم تأت من اليمين فقط، بل شملت كذلك منظمات حقوقية تنتقد الأسلوب الحالي باعتباره غير إنساني. وقال نيك بيلز، من منتدى اللاجئين والمهاجرين في إسيكس ولندن، إن “الفنادق بيئة غير صحية ومضرة نفسيًا لمن يُجبر على الإقامة فيها لفترات طويلة”، مشيرًا إلى أن بعض المهاجرين يقضون سنوات في ما يشبه “المطهر”.
وفي ظل منع طالبي اللجوء من العمل أثناء انتظار البت في طلباتهم، تتجمد حياتهم عمليًا، ويُتركون في حالة من الانتظار القلق والمستقبل المجهول.
التقارير الميدانية سلطت الضوء على سوء الأوضاع داخل بعض الفنادق: غرف مكتظة، طعام غير صالح، ومشاكل صحية ونفسية متفاقمة. وتصف شهادات مهاجرين كيف تحولت الإقامة في هذه الفنادق إلى تجربة مريرة أفقدتهم الأمل والكرامة.
من جهتها، تعهدت حكومة حزب العمال الحالية، بقيادة كير ستارمر، بإنهاء الاعتماد على الفنادق بحلول عام 2029. وصرحت وزيرة أمن الحدود واللجوء، أنجيلا إيجل، بأن الطعن الحكومي في قضية إيبينغ هدفه “إخراج الفنادق من المنظومة بطريقة منضبطة ومنظمة”، مؤكدة أن الحكومة تسعى إلى إصلاح جذري في نظام اللجوء.
وتتضمن الخطط الجديدة تقليص مدة السماح لطالبي اللجوء بالبقاء بعد صدور قرار قضائي بشأنهم من 56 إلى 28 يومًا، بهدف تسريع الانتقال من الفنادق إلى مساكن أكثر استقرارًا، وربما تقليص تكاليف الإيواء التي أثقلت كاهل الخزينة.
ومع أن عدد طلبات اللجوء المقدمة إلى بريطانيا يُعد أقل من متوسط الاتحاد الأوروبي مقارنة بعدد السكان، فإن المشاهد المتكررة للمهاجرين الذين يصلون إلى الشواطئ البريطانية عبر القوارب الصغيرة، ساهمت في تأجيج المشاعر المناهضة للهجرة، ودفعت بالملف إلى صدارة الأجندة السياسية.
استطلاعات الرأي الحديثة عكست هذا التحول في المزاج العام، إذ أظهر استطلاع أجرته “يوجوف” أن نصف البريطانيين يؤيدون وقف استقبال مهاجرين جدد وترحيل أعداد كبيرة ممن قدموا في السنوات الأخيرة. كما أظهر استطلاع آخر أن 70% من الناخبين يعتقدون أن حكومة ستارمر تتعامل بشكل سيء مع أزمة فنادق اللجوء، بمن فيهم غالبية ناخبي حزب العمال أنفسهم.
وتبقى المعضلة قائمة: كيف يمكن لبريطانيا أن توفّق بين التزاماتها القانونية والإنسانية تجاه اللاجئين، وبين الضغوط السياسية والاجتماعية المتزايدة؟ وبينما يطالب البعض بتشديد القيود، يرى آخرون أن الحل يكمن في الإصلاح المؤسسي والمعالجة الجذرية لتراكم الطلبات، لا في ترحيل البشر أو الزج بهم في ظروف غير إنسانية.
وبين هذا وذاك، تبقى الفنادق مشتعلة سياسياً… وساكنوها عالقون في انتظار قرار يحدد مصيرهم.