“كارثة تكساس: حين غرقت الدولة في الفيضان وتفككت أجهزة الإنقاذ تحت حكم ترامب”
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن الفيضانات القاتلة التي اجتاحت منطقة “هيل كانتري” بولاية تكساس وأودت بحياة أكثر من 100 شخص، قد تكون بمثابة تحذير مرعب مما وصفته الصحيفة بـ”الوضع الطبيعي الجديد” في الولايات المتحدة، في ظل تفكك متسارع لوكالات فيدرالية حيوية كانت تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الكوارث المناخية.
وكشفت الصحيفة أن السياسات التي ينتهجها دونالد ترامب، بدعم من الملياردير إيلون ماسك، تقف وراء موجة من التخفيضات الواسعة في ميزانيات وكالات الطقس وإدارة الطوارئ، وعلى رأسها وكالة الأرصاد الجوية الوطنية (NWS) والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA)، ما تسبب في تعريض ملايين الأمريكيين للخطر، خاصة مع تزايد شراسة الظواهر المناخية المرتبطة بالاحتباس الحراري.
ونقلت الصحيفة عن خبراء في إدارة الكوارث تحذيرهم من أن ما حدث في تكساس، حيث توقفت عاصفة شديدة فوق منطقة جافة وأمطرت بغزارة في وقت قصير، هو نوع العواصف التي كانوا يخشونها منذ سنوات، لكن المشكلة لم تعد فقط في تغير المناخ، بل في انهيار أنظمة الاستعداد والإنذار المبكر.
وقالت سامانثا مونتانو، أستاذة إدارة الطوارئ في أكاديمية ماساتشوستس البحرية، في تصريحات نقلتها الصحيفة، إن الكارثة كانت “قابلة للتوقع والتخفيف”، لكن ما حدث هو نتيجة مباشرة لتراكم الإهمال السياسي وتدمير البنية التحتية للاستجابة، مضيفة أن “هذا ما يحدث عندما نترك تغير المناخ يتفاقم بلا رادع ونقوّض أنظمة الإنذار والاستجابة على المستويات الفيدرالية والمحلية”.
وأشارت الغارديان إلى أن الفيضانات ضربت مخيم “ميستيك” على نهر غوادالوبي، حيث كانت نحو 700 فتاة تخيم في سهل فيضي معروف، من دون أن يصلهن أي تحذير مبكر، في واحدة من أكثر الثغرات الصادمة لنظام الاستجابة الأميركي. ولفتت الصحيفة إلى أن العديد من الخبراء يرون أن الفشل في إصدار التحذيرات الفورية يرتبط بشكل مباشر بالتسريحات الواسعة في مكاتب الأرصاد الجوية، بما في ذلك مكتب سان أنطونيو المسؤول عن المنطقة المنكوبة، حيث فُقد اثنان من كبار منسقي التحذيرات الجوية بعد استحواذات ماسك وتقليص الإنفاق.
كما كشفت الصحيفة أن وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية فقدت نحو ثلث قوتها العاملة الدائمة، بمن فيهم قادة مخضرمون كانوا يتولون التنسيق في الكوارث الكبرى، ما يجعل من الصعب اليوم – بحسب الغارديان – إطلاق استجابة وطنية شاملة، خصوصًا في ظل غياب مدير دائم للوكالة، بعد تعيين عسكري سابق يفتقر إلى الخبرة الميدانية في مايو الماضي.
وأشارت الغارديان إلى أن ترامب عند عودته إلى البيت الأبيض سارع إلى تقويض وكالة FEMA، بل وهدد بحلها بالكامل، في وقت كانت فيه لا تزال تقدم مساعدات للمجتمعات المتضررة من حرائق الغابات في كاليفورنيا وإعصار “هيلين”، الذي أودى بحياة أكثر من 230 شخصًا في جنوب أبالاتشيا.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين فيدراليين سابقين قولهم إن ميزانيات NOAA (الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي) وNSF (مؤسسة العلوم الوطنية) تعرضت لتخفيضات حادة خلال العام الجاري، وصلت إلى 56٪ في بعض البرامج، ما أدى إلى إغلاق مراكز أبحاث وإيقاف إطلاق بالونات رصد الطقس، وتقليص قدرات التنبؤ الجوي في أكثر الفترات حساسية من العام.
وقالت الصحيفة إن العديد من مكاتب الأرصاد الجوية لم تعد تعمل على مدار الساعة لأول مرة منذ أكثر من أربعين عامًا، وهو ما أدى إلى ثغرات خطيرة في تغطية التنبؤات الجوية، خاصة في المناطق الريفية المعرضة للفيضانات المفاجئة مثل “هيل كانتري”.
وفي هذا السياق، نقلت الغارديان عن عالم المناخ أندرو ديسلر من جامعة تكساس إيه آند إم قوله إن “كل ظاهرة جوية نشهدها الآن متأثرة بشكل أو بآخر بتغير المناخ”، موضحًا أن الكوكب أصبح أكثر دفئًا ورطوبة، ما يزيد من شدة العواصف.
ووصفت الصحيفة استجابة الحكومة الفيدرالية للكارثة بأنها مرتبكة، مشيرة إلى أن الرئيس ترامب رفض مراجعة التخفيضات، مدعيًا أن “لا أحد كان يتوقع ما حدث”، فيما لم يسافر القائم بأعمال مدير FEMA إلى تكساس، وتركت المسؤولية لوزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم.
ووفقًا للصحيفة، فقد وصف البيت الأبيض في بيان مقتضب الكارثة بأنها “عمل من أعمال الله”، وهو تصريح اعتبره خبراء تقليلًا من مسؤولية المؤسسات الفيدرالية.
وقالت الغارديان إن تقارير متعددة أكدت أن نظام إدارة الطوارئ الفيدرالي أصبح هشًا إلى درجة أن بعض العلماء باتوا يحذرون من أنه لم يعُد هناك “أحد في المنزل”، وأن صوت FEMA لم يعد موثوقًا كما كان.
وفي ختام تقريرها، شددت الصحيفة على أن الفيضانات الأخيرة في تكساس قد تكون جرس إنذار للدولة بأكملها، محذّرة من أن التغير المناخي وحده لا يقتل، بل تقتل معه السياسات التي تضعف قدرة المجتمع على التنبؤ والاستعداد والاستجابة.
هل ترغب بإضافة مقدمة إنسانية أو فقرة تحليلية عن البُعد السياسي للكارثة؟