دعوات لمحاسبة هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي.. تأخر في دفع مستحقات صحافيي غزة.. واتهامات صريحة بالتحيز للرواية الاسرائيلية
من سعيد العامودي

غزة ـ يورابيا ـ من سعيد العامودي ـ في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة والحصار المفروض عليه، تتزايد الأصوات التي تُسلط الضوء على واقع الصحافيين الفلسطينيين الذين يعملون وسط ظروف استثنائية لإيصال الحقيقة للعالم. غير أن هذه الظروف الصعبة لم تمنع وقوع أزمات جديدة تضاف إلى معاناة هؤلاء الصحافيين الذين يعانون من تأخر مستحقاتهم المالية وأحيانًا انعدامها بالكامل رغم عملهم الميداني الدؤوب. إلى جانب ذلك، ثارت اتهامات حادة حول طريقة تغطية أحد أكبر المؤسسات الإعلامية البريطانية للصراع، متهمة إياها بالانحياز لصالح الرواية الإسرائيلية وتقليل معاناة الفلسطينيين.
في هذا السياق، كشفت شبكة نوى في تحقيق استقصائي مفصل عن أزمات متراكمة داخل هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي تتمثل في تأخر دفع أجور عدد كبير من المساهمين الفلسطينيين في غزة، الذين يوفرون تقارير ومواد إعلامية حية، وسط ظروف من الحصار والقصف المستمر، كما عرضت شهادات حصرية توثق توجهات تحريرية داخل القسم العربي تُتهم بتقديم تغطية منحازة لصالح الجانب الإسرائيلي.
كشفت شبكة نوى في تحقيق استقصائي عن أزمات متراكمة تهز هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي على أكثر من صعيد، إذ وثقت حالات تأخر صرف مستحقات صحافيي غزة الذين يعملون كمساهمين مستقلين، كما عرضت شهادات وصورًا داخلية تُبرز توجيهات تحريرية يُتهم فيها القسم العربي بالانحياز لصالح الرواية الإسرائيلية خلال العدوان على قطاع غزة.
في البداية، رصدت “نوى” معاناة مجموعة من الصحافيين الفلسطينيين في غزة الذين يزودون بي بي سي بتقارير ميدانية ومواد مصورة في ظروف خطيرة وسط حصار وقصف مستمر، لكنهم ظلوا ينتظرون مستحقاتهم لأشهر وأحيانًا لأكثر من عام كامل دون أي تحويلات منتظمة. الصحافية ولاء أبو جامع وروّدت أنها قدمت أكثر من 150 مادة صحافية وصورت فيديوهات ولقاءات لم تُدفع مستحقاتها، رغم إرسالها الفواتير عبر الحساب البنكي الخاص بها، مضيفة أن المبلغ المودع أخيرًا كان أقل من مستحقاتها بكثير.
ورغم تأكيد بي بي سي على وجود “مشكلات تقنية” في نظام التحويلات، فإنّ تقارير “نوى” وأحاديث صحافيين آخرين مثل حسين خريس وخالد شعث كشفت أن هذه الأعذار لا تبرر التأخير المستمر أو انقطاع المستحقات، خاصة مع وجود مؤسسات إعلامية أخرى تدفع بانتظام للمساهمين من غزة عبر نفس القنوات البنكية.
وفي تعليق على هذه القضية، عبّر الإعلامي المصري يسري فودة عبر موقعه الإلكتروني عن استيائه الشديد واصفًا ما يحصل بأنه “ملح على جرح” وأضاف أن رسائل كثيرة وصلت إليه من زملاء في غزة يشكون من تأخر الأجور رغم تقديمهم تقارير ومواد إعلامية لهيئة الإذاعة البريطانية. فودة أشار إلى أن مشكلة التحويلات المصرفية لا تفسر التأخير، خاصة أن بعض هؤلاء الصحافيين يتلقون مستحقاتهم من جهات أخرى دون مشاكل، ولا يمكن أن تُعزى الأمور ببساطة إلى بيروقراطية بي بي سي ، إذ إن العشرات لم يحصلوا على حقوقهم لأكثر من عام.
وأوضح يسري فودة أن وظيفة “مساهم” أو contributor، التي يعمل بها هؤلاء الصحافيون، رغم كونها غير ثابتة من الناحية القانونية، إلا أنها لا تلغي المسؤولية الأخلاقية والقانونية للمؤسسة، خصوصًا إذا تجاوز التأخير فترة زمنية معينة. وأشار إلى أنه هو نفسه كان contributor في القسم العربي لـBBC، ما يمنحه معرفة مباشرة بنظام العمل المتبع. وذكر مثالًا مؤثرًا عن شاب فلسطيني يدعى “أنس الشريف”، كان الصوت الوحيد المساهم في تغطية الجزيرة من شمال غزة أثناء العدوان، حيث اتصل فودة برئيس تحرير الجزيرة محمد معوض طالبًا حماية هذا الشاب، ما أدى لتوقيع عقد رسمي يمنحه حقوقًا كاملة، في مثال يعكس التزام الجزيرة تجاه مساهميها على الأرض.
وختم فودة كلامه بتعبير شديد المرارة، متهما بي بي سي بـ”استغلال وضع الصحافيين الضعفاء في غزة الذين يواجهون الموت يوميًا تحت القصف والتجويع”، واصفًا ذلك بـ”الخسة والنذالة” إذا ثبت.
إلى جانب الأزمة المالية، كتب الصحفي البريطاني أوين جونز الذي استند إلى شهادات داخلية وأدلة تثبت توجيهات تحريرية متحيزة لصالح الجانب الإسرائيلي. التقرير أشار إلى أن القسم العربي في بي بي سي فرض قيودًا على استخدام كلمات مثل “حصار” أو “إبادة”، كما شدد على إبراز الرواية الإسرائيلية وتقليل ظهور معاناة الفلسطينيين.
وأشار جونز إلى تصاعد الاحتجاجات الداخلية في بي بي سي التي وقع عليها أكثر من 100 موظف يطالبون بمراجعة سياسات التغطية لضمان التوازن والحيادية.
تؤكد الرسالة أن الموقعين لا يطلبون من بي بي سي “الانحياز لأي طرف”، بل فقط السماح لصحفيي بي بي سي “بأداء عملهم في نقل الحقائق بشفافية وفي سياقها الصحيح”. ويشيرون إلى إخفاقٍ فادح:كمؤسسة، لم نُقدّم أي تحليل ذي معنى لتورط الحكومة البريطانية في الحرب على الفلسطينيين. ولم نُغطِ مبيعات الأسلحة أو آثارها القانونية. بل اكتفى منافسو بي بي سي بنشر هذه التقارير.
وهذا، بالمناسبة، واحد من العديد من الإخفاقات الفاضحة المذهلة التي ارتكبتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وهي هيئة بث خدمة عامة ملزمة بمحاسبة الحكومة البريطانية، وقد فشلت في القيام بذلك.
الإعلامي يسري فودة أكد في مقالاته أن بي بي سي لم تعد تمثل المؤسسة المهنية التي عهدها الجمهور بل تخلّت عن مسؤوليتها عندما سمحت لسرد أحادي يشوه الواقع ويغيب صوت الضحايا الفلسطينيين. وأشار إلى أن هذه السياسات تؤثر على مصداقية المؤسسة وتضعف ثقة الجمهور فيها.
وفي تطور مرتبط، أثار قرار بي بي سي بسحب الوثائقي “غزة: أطباء تحت النار” غضبًا واسعًا، حيث وصفه المعلق الرياضي البريطاني غاري لينكر بأنه سبب لخجل بي بي سي، فيما تجمع أكثر من 400 شخصية إعلامية وفنية تطالب بمحاسبة إدارة الهيئة على هذا القرار.
تواجه بي بي سي اليوم تحديات كبيرة على جبهتين متقاطعتين بين تأخر حقوق الصحافيين الفلسطينيين الذين يغذونها بالمحتوى تحت ظروف استثنائية، وبين الاتهامات المتزايدة بالتغطية المنحازة التي تخدم أجندات سياسية، وهو ما يضع المؤسسة أمام اختبار حقيقي لالتزامها بالقيم المهنية والإنسانية التي يجب أن تحكم الإعلام الدولي.