أقلام يورابيا

عزّة النفس والرماد: من أفلاطون إلى فجر الجمعة بين إسرائيل وإيران

جمال دملج

في زمنٍ تتعانق فيه نار السماء بأشباح الأرض، ويتقاطع فيه هدير الطائرات مع وجيب القلوب، تعود إلينا تلك الأسئلة الأولى، القديمة قدم الإنسان، التي تسكن في عتمة اللاوعي وتُشكّل قوام الحلم البشريّ المجهول: من نحن، وما الذي ندافع عنه في هذا الجنون المتبادل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب؟

منذ فجر الجمعة، ومع كل ضربةٍ جوية وصرخة استغاثة، بدا وكأنّ عناصر قوة الروح البشرية التي كان أبو الفلاسفة الإغريق،أفلاطون، قد حدّدها قبل قرون بـ”الشهوة والعقل والشجاعة”، تعود لتتمرجح فوق مَدارج النيران. شهوةٌ تشتعل في العيون – رغبةٌ في الهيمنة، أو درء الإهانة – تُرافقها آلة عقلٍ باردة تزنُ الاحتمالات والنتائج والخسائر بدقة مختبر. لكن العنصر الثالث، ذاك الذي أغفلناه طويلًا، يظهر من جديد: الشجاعة، أو بتعبير زماننا الحديث: عزّة النفس.

موازين العدالة المتأرجحة

عزّة النفس هنا ليست مجرّد شعور، بل طاقة خام، فطرية، تدفع بالأمم – في معظم الأحيان – إلى حافة الهاوية، لا دفاعًا عن أرض أو موقع استراتيجي فحسب، بل بحثًا عن اعتراف… وإنسان اليوم، تمامًا كما صوّره الفيلسوف هيجل في غبار المعارك البدائية، لا يُقاتل فقط من أجل البقاء، بل من أجل أن يرى في عين الآخر اعترافًا بكرامته، بهيبته، بحضوره الكامل في معادلة العالم.

وللتوضيح، إنّ هذا الوجه من عزّة النفس والحسّ الإنسانيّ الفطريّ بالعدالة، يفنّده هيجل ليكشف عن ثلاثة جوانب في غاية الأهميّة تتفرّع عنه، وتتمثّل في الأسباب الرئيسيّة التي غالبًا ما تثير في الإنسان الإحساس بالغضب أو بالفخر أو بالخجل. وعلى سبيل المثال، فإنّ الذين يعتقدون أنّ لهم قدْرًا معيّنًا، لا بدّ وأن يغلب عليهم الشعور بالغضب إذا ما عاملهم آخرون بقدْر أقلّ ممّا يظنّونه لأنفسهم، ولكنّهم سيشعرون بالفخر بكل تأكيد إذا ما لقوا تقييمًا صحيحًا يتناسب مع قدْرهم. أمّا الذين شاءت لهم أقدارهم أن يفشلوا في أن يعيشوا حياة تتّفق مع إحساسهم بقدْرهم، فإنّ الشعور بالخجل هو الذي سيغلب عليهم لا محالة.

على هذا الأساس، يؤكّد هيجل أنّ الرغبة في نيْل الاعتراف والتقدير، وما يصاحبها من مشاعر الغضب والفخر والخجل، ليست جانبًا بالغ الأهميّة من جوانب الحياة الإنسانيّة وحسب، وإنّما هي المحرّك الأساسيّ لعمليّة التاريخ بأسرها. ويذهب إلى حدّ القول إنّ هذه الرغبة، هي التي كانت تدفع أيّ متصارعيْن بدائيّيْن في قديم الزمان إلى المخاطرة بحياتهما بالدخول في عراك حتى الموت، نظرًا لأنّ كلًّا منهما يسعى إلى نيْل اعتراف الآخر بآدميّته، مشدّدًا على أنّه إذا ما حدث أن أدّى الخوف الطبيعيّ من الموت بأحد المتصارعيْن إلى الخضوع والإذعان، ستنشأ على الفور ما سمّاها: “علاقة السيّد بالعبد”.

بين تل أبيب وطهران

لهذا السبب، يبدو الصراع بين إيران وإسرائيل، في أحد أوجهه، انعكاسًا حديثًا لذلك المشهد الهيغليّ: سيّدٌ وعبدٌ، أو على الأقل من يرفض أن يكون تابعًا، ومن لا يقبل أن يرى غيره ندًّا… وفي لحظة إطلاق الصواريخ، لا تكون المعادلة مجرّد استجابة عسكرية، بل إعلانًا بأنّ القدر ما زال موضع تفاوض، وأنّ الهوية السياسية ليست قابلة للانكسار، حتى تحت وطأة الضربات الأقسى.

لكن الخطر هنا لا يكمن فقط في فوضى الحديد والنار، بل في التشويش العميق الذي يُصيب عناصر الروح الثلاثة حين تتداخل حدود الشهوة والعقل والشجاعة على نحوٍ أعمى. ففي عالمٍ فقد إيمانه بالعدالة، حين يُعامل الإنسان دون ما يرى لنفسه من كرامة، يغدو الغضب هو النتيجة الطبيعية. وعندما لا يجد هذا الإنسان تقييمًا يُنصفه، يتآكله الشعور بالخجل، لا لضعفه، بل لخيبة رجائه في مَن يفترض أنهم أنداده.

ولذلك، فإنّ الرغبة في نيل الاعتراف، تظلّ محرّك التاريخ كما وصفها هيجل، ولكنّها اليوم تُخاض بصيغة أكثر تدميرًا، لأنّ الخوف من الموت لم يَعُد كافيًا لردع المتقاتلين. الكلّ يُريد أن يُرى، أن يُعترف به، حتى ولو احترقت الأرض.

الأسئلة القديمة – المتجدّدة

ربّما لهذا السبب تحديدًا تفشل أغلب الحروب في تحقيق نهاياتها، لأنّها لا تُشبع تلك الرغبة العميقة التي تسكن الأرواح، والتي تطلب شيئًا لا يُقاس بموازين السياسة ولا بخطوط الحدود. هي الرغبة في أن يقول لك خصمك، ولو صامتًا: “أراك. أعترف بك”.

لكن، أيّ ثمن لذلك الاعتراف؟

وهل يُمكن لصرخة الشجاعة أن تُنقذ الروح، بعدما أربكتها الشهوة وأضناها العقل؟

وهل آن أوان أن نحلم بسلامٍ لا يُقاس بمَن كسب المعركة، بل بمن استطاع أن يُبقي إنسانيته حيّة في قلب النار؟

هكذا، يعود السؤال إلى الواجهة: ما الذي نريده فعلًا؟ النصر؟ أم الكرامة؟ أم أن نرى أنفسنا – في عيون الآخرين – دون أن نضطر إلى النزف لأجل ذلك؟

ربّما، فقط ربّما، لم يفت الأوان بعد!

إعلامي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى