إرث الدم والذاكرة: كيف ستتعامل سوريا الجديدة مع موروث الميليشيات الإيرانية؟
خالد المطلق

مع سقوط نظام الأسد وتلاشي النفوذ العسكري المباشر للميليشيات الإيرانية من الأراضي السورية يتبدى فصل جديد في تاريخ العلاقات بين البلدين لكنه يحمل في طياته إرثًا ثقيلاً من التدخلات والجرائم، فمنذ الشرارة الأولى للثورة السورية تدفق عناصر الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس ومقاتلو حزب الله اللبناني وعشرات الميليشيات الطائفية الأخرى التي جندتها طهران ودربتها ومولتها لتقديم الدعم العسكري واللوجستي لنظام الأسد الآيل للسقوط، لقد كانت هذه القوى بمثابة خط الدفاع الأول عن الأسد، ولعبت دورًا حاسمًا في مسار الحرب الأهلية، لكنها خلفت أيضًا سجلًا أسودًا من الانتهاكات والتجاوزات.
إن سقوط نظام الأسد وتولي إدارة جديدة في دمشق يمثل منعطفًا حاسمًا يستدعي إعادة تقييم شاملة للعلاقات السورية الإيرانية، لقد انقضت الحقبة التي اتسمت بالتحالف الإستراتيجي الوثيق والذي ارتكز جزئيًا على الحاجة المشتركة لمواجهة خصوم إقليميين ودوليين لتفسح المجال لمرحلة جديدة تلفها الضبابية والتحديات، ففي ثنايا الماضي القريب تحمل بصمات هذه الميليشيات عبئًا ثقيلاً من الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق الشعب السوري تاركةً جروحًا غائرة في الذاكرة الجمعية، في هذا السياق المتغير يبرز السؤال المحوري كيف ستتعامل الإدارة الجديدة في دمشق مع هذا الإرث المؤلم؟ وهل سيكون انسحاب الميليشيات الإيرانية كافيًا لتجاوز الماضي وبناء علاقات مستقبلية سليمة ومستدامة بين سوريا وإيران؟، إن مصير هذه العلاقات وتأثير إرث الميليشيات على مسارها يمثل معضلة معقدة تنطوي على احتمالات متعددة تتراوح بين التقارب الحذر والتصادم المتزايد، تسعى هذه المقالة إلى استكشاف هذه الديناميكيات المعقدة وتحليل التحديات والفرص التي تلوح في أفق العلاقات السورية الإيرانية في ظل الحقبة الجديدة مع التركيز بشكل خاص على تأثير إرث الميليشيات الإيرانية على هذه العلاقات،
إرث الماضي المؤلم: جرائم الميليشيات الإيرانية في الذاكرة السورية
حتى بعد سقوط الأسد ونظامه وزوال جميع الميليشيات الإيرانية من الأراضي السورية سيظل العبء الثقيل الذي خلفته هذه القوى جاثمًا على صدر سوريا مؤثرًا بعمق على أي مسعى لبناء مستقبل مستقر أو ترميم العلاقات مع إيران، إن سجل هذه الميليشيات خلال سنوات الصراع الدامي يمثل صفحة سوداء في تاريخ سوريا الحديث التي كانت حافلة بالجرائم والانتهاكات التي يصعب تجاوزها أو نسيانها.
1- الجرائم والانتهاكات: بصمات لا تُمحى في جسد السوريين
ارتكبت الميليشيات الإيرانية بمختلف مسمياتها وولاءاتها سلسلة مروعة من الجرائم والانتهاكات بحق الشعب السوري مخلفةً وراءها إرثًا من الألم والمعاناة سيظل محفورًا في الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة يشمل هذا السجل الأسود ما يلي:
أ- القتل الجماعي والإعدامات الوحشية:
وثقت منظمات حقوق الإنسان المستقلة استنادًا إلى شهادات ناجين وتقارير ميدانية العديد من المجازر وعمليات القتل الجماعي التي نفذتها هذه الميليشيات بحق المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، وغالبًا ما اتسمت هذه الأعمال بوحشية غير مسبوقة واستهدفت مناطق بأكملها بتهم جماعية أو بدوافع طائفية انتقامية، عِلَاوَة على ذلك نفذت هذه الميليشيات إعدامات ميدانية بحق الأسرى والجرحى متجاوزة بذلك أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.
ب- التهجير القسري والتطهير العرقي والطائفي:
لعبت هذه الميليشيات دورًا محوريًا في عمليات التهجير القسري الممنهج للسكان من مناطق إستراتيجية بهدف إحداث تغيير ديموغرافي يخدم مصالح إيران وحلفائها، ونتيجة لذلك أُجبر مئات الآلاف بل الملايين من السوريين على ترك ديارهم تحت وطأة القصف العشوائي والحصار الخانق والتهديد المباشر بالقتل، وفي بعض الحالات ارتقى هذا التهجير إلى مستوى التطهير العرقي والطائفي حيث استهدفت فئات معينة من السكان لإحلال جماعات أخرى موالية لإيران محلها.
ت- الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري في السجون السرية:
أقامت هذه الميليشيات شبكات واسعة من السجون السرية والمعتقلات غير الرسمية، حيث تعرض آلاف السوريين للاعتقال التعسفي دون أي سند قانوني، وقد وثقت حالات مروعة من التعذيب الجسدي والنفسي وسوء المعاملة الممنهج داخل هذه المعتقلات، ولا يزال مصير الآلاف من المختفين قسرًا مجهولًا حتى اليوم مما يضاعف من معاناة عائلاتهم ويخلق جروحًا عميقة في المجتمع.
ث- النهب والسلب المنظم للممتلكات:
لم تتورع هذه الميليشيات عن نهب وسلب ممتلكات المدنيين في المناطق التي سيطرت عليها بما في ذلك المنازل والمحلات التجارية والمصانع والأراضي الزراعية، وغالبًا ما كان يتم تبرير هذه الأعمال بدوافع طائفية أو كغنائم حرب مما أدى إلى تدمير النسيج الاقتصادي والاجتماعي في العديد من المناطق.
ج- استخدام الحصار والتجويع كسلاح حرب:
في العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة فرضت هذه الميليشيات حصارًا خانقًا ومنعت وصول المواد الغذائية والطبية والإنسانية إلى المدنيين في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وقد أدى هذا الحصار إلى مئات الوفيات بسبب الجوع ونقص الدواء واستهدف بشكل مباشر السكان المدنيين كجزء من إستراتيجية إخضاع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
إن توثيق هذه الجرائم والانتهاكات استنادًا إلى تقارير موثوقة صادرة عن منظمات حقوقية دولية وإقليمية ومحلية وشهادات الضحايا الناجين الذين فقدوا أحباءهم وممتلكاتهم وحريتهم يمثل ضرورة أخلاقية وقانونية لا يمكن التغاضي عنها، هذا التوثيق هو الأساس لأي عملية عدالة انتقالية مستقبلية تهدف إلى محاسبة المسؤولين وجبر الضرر للضحايا.
2- تأجيج الصراع الطائفي: زرع بذور الكراهية والانقسام العميق
لم يقتصر الدور التخريبي للميليشيات الإيرانية على ارتكاب الجرائم بل امتد ليشمل تأجيج نار الصراع الطائفي في المجتمع السوري الذي كان يتميز بتنوعه ونسيجه الاجتماعي المتماسك نسبيًا قبل اندلاع الثورة، لقد عملت هذه الميليشيات بوعي وتخطيط على تعميق الانقسام الطائفي من خلال:
أ- الخطاب الطائفي التحريضي والتقسيمي:
تبنت هذه الميليشيات خطابًا طائفيًا حادًا ومستفزًا يركز على الهويات المذهبية الضيقة ويصور الصراع في سوريا على أنه حرب مقدسة بين “أهل الحق” و “أهل الباطل” على أسس طائفية، وقد ساهم هذا الخطاب في شحن النفوس وتأجيج الكراهية والعنف الطائفي وتقويض أي محاولة للحوار والمصالحة بين السوريين.
ب- تشكيل وتسليح ميليشيات حصرية على أسس طائفية:
قامت إيران بإنشاء وتمويل وتسليح ميليشيات حصرية لأفراد ينتمون إلى طوائف معينة مما عزز الانتماءات الطائفية الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة ونتيجة لذلك قاتلت هذه الميليشيات بشراسة بناءً على هويتها الطائفية مما زاد من حدة الصراع الطائفي على الأرض.
ت- الاستهداف الطائفي للمدنيين والمناطق:
وثقت حالات عديدة استهدفت فيها هذه الميليشيات المدنيين والمناطق ذات الأغلبية السكانية المختلفة على أساس هويتهم الطائفية مما أدى إلى عمليات انتقامية متبادلة وزيادة الاحتقان الطائفي في المجتمع.
ث- فرض رموز وشعارات طائفية وتغيير الهوية البصرية للمناطق:
في المناطق التي سيطرت عليها عمدت هذه الميليشيات إلى فرض رموز وشعارات طائفية وتغيير أسماء الشوارع والمعالم وحتى فرض مناهج تعليمية ذات توجه طائفي في محاولة لتغيير الهوية الثقافية والديموغرافية لهذه المناطق.
إجمالًا لم تساهم هذه الأفعال فقط في تعميق الانقسام الحالي في المجتمع السوري بل زرعت أيضًا بذور فتنة مستقبلية قد يصعب اقتلاعها على المدى الطويل مما يجعل عملية المصالحة الوطنية أكثر تعقيدًا وتحديًا.
3- تقويض السيادة الوطنية: سلطة فوق الدولة ومصالح فوق الوطن
لم تتعامل الميليشيات الإيرانية في سوريا كقوة مساعدة مؤقتة أو حليف يخضع لسلطة الدولة السورية بل سعت تدريجيًا إلى ترسيخ نفوذها كقوة موازية بل وأحيانًا متفوقة على مؤسسات الدولة الرسمية مما أدى إلى تقويض السيادة الوطنية السورية بشكل خطير وممنهج من خلال:
أ- السيطرة العسكرية والأمنية المستقلة:
أقامت هذه الميليشيات مناطق نفوذ خاصة بها وأنشأت قواعد عسكرية وأمنية مستقلة عن الجيش السوري وفرضت سيطرتها على طرق إستراتيجية وموارد اقتصادية دون رقابة فعلية من الحكومة المركزية.
ب- التدخل المباشر في القرارات السيادية:
مارست إيران من خلال قادة هذه الميليشيات ضغوطًا هائلة على نظام الأسد في اتخاذ القرارات السيادية الداخلية والخارجية وفرضت أجندتها الخاصة في العديد من الملفات الحساسة بما في ذلك التعيينات الأمنية والعسكرية والسياسات الخارجية.
ت- إنشاء هياكل إدارية واقتصادية موازية:
قامت هذه الميليشيات بإنشاء هياكل إدارية واقتصادية موازية لهياكل الدولة في المناطق التي تسيطر عليها مما أضعف سلطة الدولة المركزية وعزز اقتصاد الظل المرتبط بهذه الميليشيات.
ث- تجاوز سلطة الجيش والمؤسسات الأمنية السورية:
في كثير من الأحيان كانت أوامر قادة هذه الميليشيات تتجاوز أوامر القيادة العسكرية والأمنية السورية مما يعكس حجم النفوذ والسلطة التي تتمتع بها إيران داخل سوريا وتقويض سلطة الدولة.
ج- استغلال الموارد وتهريب الأسلحة والمخدرات:
تشير تقارير موثوقة إلى تورط هذه الميليشيات في عمليات استغلال واسعة النطاق للموارد الطبيعية السورية وعمليات تهريب منظمة للأسلحة والمخدرات مما يهدد الأمن الإقليمي ويقوض سلطة القانون في سوريا.
بناء على ما سبق سيترك هذا التقويض الممنهج للسيادة الوطنية تحديات كبيرة أمام أي إدارة سورية جديدة تسعى إلى استعادة سلطة الدولة وبناء مؤسسات وطنية قوية وموحدة وقادرة على بسط سيادتها على كامل الأراضي السورية.
4- الذاكرة السورية المثقلة بالجراح: حاجز نفسي وعاطفي نحو أي تقارب
إن كل هذه الجرائم والانتهاكات وتأجيج الصراع الطائفي وتقويض السيادة الوطنية قد تركت ندوبًا عميقة في الذاكرة الجمعية للشعب السوري، لقد عايش السوريون بشكل مباشر وحشية هذه الميليشيات وتأثيرها المدمر على حياتهم ومستقبلهم، هذه الذاكرة المثقلة بالألم والفقدان والغضب تخلق حاجزًا نفسيًا وعاطفيًا هائلاً أمام أي تقارب سهل أو مصالحة سريعة مع إيران في المستقبل، إن مطالبة الشعب السوري بالعدالة والمحاسبة على هذه الجرائم ستبقى حاضرة بقوة في وجدانهم وستشكل تحديًا كبيرًا أمام أي محاولة لتجاوز هذا الماضي المرير وبناء علاقات طبيعية مع طهران، إن نسيان هذه الجرائم أو التغاضي عنها ليس خيارًا مطروحًا بالنسبة للكثير من السوريين الذين فقدوا أحباءهم وشاهدوا تدمير وطنهم بأعينهم، بالتالي سيظل هذا الإرث المؤلم يشكل عبئًا ثقيلاً على كاهل أي إدارة سورية جديدة وسيؤثر بشكل كبير على قدرتها على بناء علاقات مستقبلية مع إيران تقوم على الثقة والاحترام المتبادلين، في الختام إن معالجة هذا الماضي تتطلب اعترافًا ومساءلة وجبرًا للضرر وهي خطوات أساسية لبناء أي مستقبل مستقر ومزدهر لسوريا وعلاقاتها الإقليمية.
تحديات المستقبل وفرص التغيير في ظل الإدارة الجديدة
مع سقوط نظام الأسد وزوال النفوذ العسكري المباشر للميليشيات الإيرانية من الأراضي السورية تواجه الإدارة الجديدة في دمشق مرحلة حاسمة تتطلب معالجة إرث الماضي وبناء مستقبل جديد لسوريا• وعلى الرغم من إزالة أحد أبرز مُعَوَّقَات استعادة السيادة، فإن التحديات تبقى قائمة وتتطلب رؤية واضحة وإستراتيجية متماسكة لتحقيق تطلعات الشعب السوري وبناء علاقات خارجية متوازنة.
1- تطلعات الإدارة الجديدة: رؤية لمستقبل سوريا ما بعد النفوذ الإيراني
تسعى الإدارة الجديدة في دمشق في ظل غياب النفوذ العسكري المباشر للميليشيات الإيرانية إلى تحقيق مجموعة من الأولويات والأهداف التي تعتبر أساسية لاستقرار سوريا ونهضتها:
أ- إعادة الإعمار المستدام والشامل:
يمثل بناء ما دمرته سنوات الصراع أولوية قصوى، ففي ظل غياب الميليشيات التي كانت تعيق الاستقرار وتستنزف الموارد يصبح المجال أوسع لجذب الاستثمارات الدولية والإقليمية وتوجيه الجهود نحو إعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات وتوفير فرص العمل للسوريين.
ب- المصالحة الوطنية الحقيقية والعدالة الانتقالية:
مع زوال أحد أبرز أسباب الانقسام والعنف الطائفي تتاح فرصة أكبر لتحقيق مصالحة وطنية شاملة، ويتطلب ذلك معالجة ملف المعتقلين والمفقودين وكشف الحقائق حول الانتهاكات وتطبيق آليات عدالة انتقالية تضمن عدم الإفلات من العقاب وتعويض الضحايا بمن فيهم ضحايا جرائم الميليشيات الإيرانية.
ت- استعادة السيادة الكاملة وغير المنقوصة:
يمثل خروج الميليشيات الإيرانية خطوة حاسمة نحو استعادة سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية ليصبح بإمكان الإدارة الجديدة بسط سلطتها على جميع المناطق وإعادة بناء مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية بشكل مستقل واتخاذ القرارات السيادية دون تدخل أو ضغوط خارجية مباشرة من هذه القوى.
ث- بناء علاقات خارجية متوازنة ومستقلة:
مع التحرر من قيود التحالف القسري مع نظام الأسد البائد والتبعية لإيران يصبح بإمكان دمشق الجديدة بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية بما يخدم المصالح الوطنية السورية العليا، ويتيح ذلك تنويع الشركاء والحصول على الدعم اللازم لإعادة الإعمار والاستقرار دون الارتهان لطرف واحد.
2- ضغوط داخلية وخارجية: عوامل مؤثرة في مسار العلاقات المستقبلية
بعد خروج الميليشيات الإيرانية ستواجه الإدارة الجديدة في دمشق ضغوطًا داخلية وخارجية ستشكل مسار علاقاتها المستقبلية مع إيران وغيرها من القوى:
أ- المطالب الشعبية المتزايدة بالمحاسبة والعدالة:
مع زوال قبضة النظام الهالك والميليشيات التابعة له سترتفع أصوات الشعب السوري المطالبة بمحاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات بمن فيهم قادة وعناصر الميليشيات الأجنبية، وقد يؤدي تجاهل هذه المطالب إلى استمرار حالة الغضب وعدم الاستقرار الداخلي ويؤثر على أي محاولة للتقارب مع إيران دون تحقيق العدالة.
ب- الضغوط الإقليمية والدولية لتقليل النفوذ الإيراني:
ستستمر العديد من القوى الإقليمية والدولية في الضغط على دمشق الجديدة لضمان عدم عودة النفوذ الإيراني بأشكال أخرى (سياسية، اقتصادية، ثقافية)، وقد تقدم هذه القوى دعمًا مشروطًا للإدارة الجديدة مقابل تبني سياسات واضحة تقلل من هذا النفوذ.
ت- تأثير الذاكرة الجماعية على العلاقات:
سيبقى إرث تدخل الميليشيات الإيرانية وجرائمها حاضرًا في الذاكرة الجماعية للشعب السوري مما سيخلق تحديًا نفسيًا وعاطفيًا أمام أي محاولة للتقارب مع إيران دون اعتراف ومصالحة حقيقية.
3- تنافس المصالح المحتمل: تحديد مسار جديد لسوريا
على الرغم من الجرح العميق في جسد السوريين إلا أن هناك بعض جوانب تنافس المصالح بين إيران ورؤية الإدارة الجديدة لمستقبل سوريا من خلال:
أ- النفوذ السياسي والاقتصادي غير المباشر:
قد تسعى إيران للحفاظ على نفوذ سياسي واقتصادي غير مباشر في سوريا من خلال قنوات أخرى، في المقابل قد ترى الإدارة الجديدة ضرورة الحد من هذا النفوذ لضمان استقلال قرارها الوطني.
ب- الأجندة الإقليمية المتغيرة:
قد تختلف أولويات وأهداف إيران الإقليمية مع رؤية سوريا الجديدة لمكانتها ودورها في المنطقة، وبالتالي قد تسعى دمشق إلى بناء علاقات إقليمية أوسع وأكثر توازنًا بعيدًا عن الاصطفافات الحادة التي كانت تميز المرحلة السابقة.
ت- ملف التعويضات والمحاسبة:
قد يكون هناك اختلاف في وجهات النظر حول ملف تعويض الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم بما في ذلك دور الميليشيات الإيرانية.
4- بدائل محتملة: بناء شراكات جديدة لمستقبل سوريا
في ظل سقوط نظام الأسد وخروج الميليشيات الإيرانية أصبح لدى الإدارة الجديدة في دمشق فرص أكبر لاستكشاف بدائل لبناء تحالفات وعلاقات جديدة تخدم مصالح سوريا وتعزز استقرارها ومنها:
أ- تعزيز التقارب مع تركيا والدول العربية:
يمكن للإدارة الجديدة تعزيز الحوار والتعاون مع تركيا والدول العربية بناءً على المصالح المشتركة واحترام السيادة المتبادل، ومن الممكن أن يوفر هذا التقارب دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا ويساهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
ب- الانفتاح على المجتمع الدولي:
مع زوال النظام السابق قد تجد الإدارة الجديدة فرصًا أكبر للانفتاح على المجتمع الدولي والحصول على الدعم اللازم لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
ت- تعزيز الدور الوطني للمؤسسات السورية:
يتيح غياب الميليشيات الأجنبية الفرصة لتعزيز دور المؤسسات الوطنية السورية بما في ذلك الجيش والأجهزة الأمنية لضمان الأمن والاستقرار الداخلي وحماية الحدود.
سيناريوهات مستقبلية محتملة:
نتيجة سقوط الأسد ومنظومته الإجرامية وخروج الميليشيات الطائفية الإيرانية من سوريا يمكن تصور مسارات مستقبلية للعلاقات السورية الإيرانية تتراوح بين الحذر والتحول الجذري:
1- سيناريو التقارب الحذر والمشروط:
بُعيد خروج الميليشيات قد تتبنى دمشق الجديدة نهجًا حذرًا في التعامل مع طهران مع التركيز على حماية مصالحها الوطنية واستعادة سيادتها الكاملة، في هذا السيناريو سيكون أي تقارب بطيئًا ومشروطًا بمدى استجابة إيران لمطالب سوريا واحترامها لسيادتها، وقد يشمل هذا التعاون في ملفات محددة ذات اهتمام مشترك مع بقاء الشكوك وعدم الثقة قائمة.
2- سيناريو القطيعة أو التوتر المتزايد:
إذا لم تعترف إيران بمسؤوليتها عن الأفعال التي ارتُكبت أو إذا استمرت طهران في محاولة فرض أجندتها بطرق أخرى فقد يتجه مسار العلاقات نحو القطيعة أو التوتر المتزايد، ومما لا شك فيه أن مطالب الشعب السوري بالمحاسبة والعدالة قد تضغط على الإدارة الجديدة لتبني موقفًا أكثر صرامة تجاه إيران خاصة إذا لم يتم تلبية هذه المطالب.
3- سيناريو التحول الجذري نحو علاقات طبيعية:
إذا قامت إيران بمراجعة لسياستها السابقة في سوريا وتقديم خطوات عملية نحو المصالحة وتعويض الضحايا فقد يفتح ذلك الباب أمام تحول جذري في العلاقات نحو طبيعتها التاريخية قبل الصراع، ويتطلب هذا السيناريو إرادة سياسية قوية من الطرفين وتجاوزًا حقيقيًا لإرث الماضي المؤلم.
خاتمة:
على الرغم من طي صفحة الماضي ورحيل الميليشيات الإيرانية عن الأراضي السورية يبقى التأكيد قائمًا على أن هذه القوى خلال فترة وجودها الطويلة قد خلّفت إرثًا ثقيلاً من الجرائم والانتهاكات وعمّقت الانقسام الطائفي وقوّضت السيادة الوطنية، وبالتالي يمثل هذا السجل الأسود تحديًا جوهريًا أمام أي محاولة لبناء علاقات مستقبلية صحية ومستدامة بين دمشق وطهران، وحتى مع غيابها الفعلي على الأرض فإن تداعيات أفعالها ستظل ماثلة في الذاكرة السورية وستؤثر على طبيعة أي تقارب محتمل.
خلاصة القول إن مستقبل العلاقات بين دمشق وطهران سيظل مرهونًا بقدرة الإدارة الجديدة في دمشق على تحقيق تطلعات الشعب السوري في استعادة السيادة الكاملة وبناء دولة قانون تحاسب المسؤولين عن الجرائم، إن تجاوز إرث الماضي الثقيل يتطلب خطوات عملية وجادة من جميع الأطراف المعنية وعلى رأسها إيران لإثبات حسن النية والالتزام ببناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة الحقيقية بعيدًا عن منطق الهيمنة والنفوذ العسكري، ختامًا إن تحقيق العدالة لضحايا الصراع سيكون حجر الزاوية في أي مصالحة حقيقية تهدف إلى بناء مستقبل مستقر ومزدهر لسوريا وعلاقاتها الإقليمية.