صحيفة ديلي تلغراف: السجون البريطانية تحوّلت إلى مصانع لتدريب الإرهابيين والمجرمين معًا
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ كشفت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية في تقرير موسع أن السجون البريطانية، التي يُفترض أن تكون حصونًا للردع والتأهيل، تحولت إلى مساحات مظلمة تُنقل فيها أخطر المهارات الإجرامية والإرهابية بين السجناء، مشيرة إلى أن متطرفين إسلاميين باتوا يُدرّبون مجرمين محترفين على تصنيع القنابل داخل أسوار تلك المؤسسات العقابية، في حين يتعلم الجهاديون منهم مهارات متقدمة في غسل الأموال، استخدام الإنترنت المظلم، وتهريب الأسلحة.
وأضافت الصحيفة، في تحقيق استقصائي استند إلى مقابلات مع ضباط سجون، ومدراء سابقين، وخبراء أمنيين، وسجناء سابقين، أن هناك شبكات جديدة تتشكل في صمت خلف القضبان، حيث تُبنى تحالفات هجينة بين الإرهابيين وعناصر الجريمة المنظمة، مما يمثل تهديدًا أمنيًا وطنيًا متناميًا لا يمكن تجاهله. وكشفت الدراسة التي حصلت الصحيفة على نسخة منها أن هذا التبادل غير المشروع للمعرفة والخبرة يجري داخل بعض أكثر السجون تشديدًا للحراسة في المملكة المتحدة، مشيرة إلى أن هذه المؤسسات باتت تُوصف من قِبل الخبراء بـ”بيئات الثقب الأسود”، حيث تسود الفوضى، وينعدم الإشراف، وتتلاشى خطوط السيطرة.
وتنقل ديلي تلغراف عن الدكتورة هانا بينيت، الباحثة الرئيسية في الدراسة، أن بعض السجناء “يخرجون من السجن وهم يعرفون كيف يُصنّعون قنبلة أو يخططون لغسل أموال لتمويل هجوم”. وتضيف بينيت أن هناك “من يكتسب مهارات استخدام الإنترنت المظلم، وهناك من يتعلم كيف يهرب السلاح، وكل ذلك يتم تحت سمع وبصر نظام سجني مُنهك وغير قادر على فرض السيطرة”. ووفقًا للصحيفة، فإن عمليات التبادل هذه ليست عشوائية، بل تتم في أحيان كثيرة بدافع “المنفعة المشتركة”، حيث يحتاج المتطرفون إلى شبكات إجرامية لتوفير المال والوسائل، بينما يسعى المجرمون التقليديون للحصول على القوة والرهبة من خلال الارتباط بجماعات أيديولوجية عنيفة.
وحذرت الصحيفة من أن هذا التداخل بين الجريمة والإرهاب ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لتجارب سابقة، حيث أشارت إلى أن منفذي هجمات مدريد عام 2004، التي أسفرت عن مقتل 191 شخصًا، قاموا بتمويل العملية من خلال تجارة المخدرات، كما تورط عملاء من القاعدة سابقًا في عمليات احتيال واسعة النطاق عبر بطاقات الائتمان.
وفي تعليق على نتائج الدراسة، قال روبرت جينريك، وزير العدل في حكومة الظل، إن “ما يجري في السجون يُعدّ فشلاً ذريعًا في القيادة، وتخليًا غير مقبول عن أحد أهم واجبات الدولة: فرض النظام داخل السجون”. وأضاف أن “السماح بقيام تحالفات بين متطرفين وإجراميين محترفين هو تقويض مباشر لأمن المجتمع خارج السجن، وهو تهديد لا يمكن السماح باستمراره”.
وأكدت الصحيفة أن ما يزيد خطورة هذا الوضع هو تفشي مظاهر الفوضى داخل السجون البريطانية، ومنها الاعتداءات المتكررة على الضباط، والطائرات المسيّرة التي توصل مخدرات وأسلحة إلى داخل المنشآت. وأوردت الصحيفة أمثلة صارخة على ذلك، منها هجوم هاشم عبيدي، شقيق مفجّر مانشستر أرينا، على ثلاثة ضباط في سجن فرانكلاند، إضافة إلى قيام نزيل آخر في سجن بلمارش بصبّ ماء مغلي على أحد الحراس.
وتوضح ديلي تلغراف أن هذه الحالات ليست فردية، بل تكشف واقعًا متدهورًا داخل النظام العقابي في البلاد، حيث يتآكل الإشراف وينهار الردع وتتفشى ثقافة “السيطرة من الداخل” بين أوساط السجناء الأكثر عنفًا وتأثيرًا.
وفي هذا السياق، دعا تقرير بينيت إلى إصلاح فوري في استراتيجية الاستخبارات الخاصة بالسجون، مؤكدًا ضرورة تحديث أدوات تقييم المخاطر، وتوفير تدريب متخصص للموظفين، مع اعتماد نهج تكاملي يتعامل مع الجريمة والإرهاب كخطر موحّد وليس كظاهرتين منفصلتين.
وتنهي الصحيفة تقريرها بتحذير صارخ من عواقب التقاعس، مشيرة إلى أن “الزمن الذي كانت فيه السجون أماكن لاحتواء الجريمة والإصلاح قد ولّى”، وإذا لم يتم تدارك هذا التقاطع القاتل بين الجريمة والإرهاب، فقد يكون الثمن باهظًا، ليس فقط داخل السجون، بل في شوارع بريطانيا نفسها.