صحيفة الغارديان: منتج فيلم “غزة ـ أطباء تحت الهجوم” يتهم بي بي سي بمحاولة إسكاته بعد قرار منع بث الفيلم
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن المنتج التنفيذي لفيلم وثائقي جديد يكشف معاناة الكوادر الطبية في قطاع غزة، اتهم هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بمحاولة “إسكاته وإسكات آخرين”، بعد قرارها المثير للجدل بوقف عرض الفيلم، رغم اكتماله واستعداده للبث.
“بي بي سي تحاول إسكاتنا”.. اتهامات مباشرة من المنتج
وكشفت الصحيفة أن بن دي بير، المنتج التنفيذي للفيلم والمحرر السابق في القناة الرابعة البريطانية، رفض ما وصفه بـ”بند تكميم مزدوج” حاولت بي بي سي فرضه عليه، والذي يمنعه من الحديث علنًا عن تفاصيل المشروع أو حتى ذكر حقيقة أن الهيئة رفضت بثه. وأوضح دي بير في منشور عبر موقع لينكدإن أنه تعرض لضغوط متكررة للتوقيع على هذا البند، لكنه رفض “أن يتم تجريده من حقه في التعبير عن رحلة مؤلمة عاشها خلال إنتاج هذا الفيلم”.
“فيلم لا يجب أن يُدفن”.. القناة الرابعة تنقذ المشروع
الفيلم الوثائقي الذي حمل عنوان “غزة: أطباء تحت الهجوم”، بُثّ مساء الأربعاء على القناة الرابعة البريطانية، بعد أن سحبت بي بي سي يدها منه. ويتناول الفيلم الأوضاع الكارثية في مستشفيات قطاع غزة، ويعرض شهادات مباشرة من المسعفين عن القصف الإسرائيلي، والمداهمات، والاعتقالات، وحتى مزاعم التعذيب. كان يُفترض أن يُعرض العمل في الأصل على شاشة بي بي سي، قبل أن تقرر الأخيرة تجميده لأسباب لا تزال محل جدل.
قرار المنع اتُّخذ على مستوى عالٍ
وأضاف دي بير، في تصريح علني خلال مؤتمر إعلامي بمدينة شيفيلد، أن قرار وقف الفيلم لم يُتخذ من قبل الصحفيين أو فريق الأخبار في بي بي سي، بل جاء بتعليمات مباشرة من المدير العام تيم ديفي. وقال في كلمته: “تيم ديفي ليس صحفيًا، بل موظف علاقات عامة، ومع ذلك هو من اتخذ القرار التحريري النهائي بشأن فيلمنا”، مضيفًا: “حين تفشل هيئة الإذاعة البريطانية في أداء مهمتها الأساسية في تغطية الشؤون الجارية، فلا جدوى من كل دراماها وبرامجها الرياضية. المؤسسة فشلت، وتحتاج لإدارة جديدة”.
ردود بي بي سي ومحاولة التبرير
وأوضحت الصحيفة أن بي بي سي رفضت التعليق مباشرة على اتهامات دي بير، لكن مصادر داخلية قالت إن ما طُلب من شركة “بيسمنت فيلمز” التي أنتجت الفيلم، لم يكن أكثر من بند قانوني شائع يُلزم المنتجين بالحصول على إذن قبل إجراء أي دعاية. ومع ذلك، تؤكد الصحيفة أن بيسمنت فيلمز رفضت هذا البند باعتباره تقييدًا مفرطًا.
أشارت مصادر داخل بي بي سي أيضًا إلى أن الهيئة كانت تبحث في كيفية دمج الفيلم ضمن تغطيتها الإخبارية الأوسع، لكن بعد تصريحات دي بير العلنية في شيفيلد، تم اتخاذ قرار نهائي بعدم عرض الوثائقي. وتزعم بي بي سي أن الفيلم لم يعد يُعتبر جزءًا من محتواها منذ إعادة حقوقه إلى الشركة المنتجة، وبالتالي فإن الحديث عن محاولات “منع” أو “تكميم” غير دقيق من وجهة نظرها.
غضب داخل المؤسسة.. رسالة مفتوحة موقعة من 100 موظف
وتأتي تصريحات دي بير في أعقاب رسالة غير موقعة، نُشرت مؤخرًا، ووقّعها أكثر من مئة موظف داخل بي بي سي. الرسالة، التي أثارت جدلًا واسعًا، انتقدت بشدة قرار وقف الفيلم، وتساءلت عن دور شخصيات قيادية في المؤسسة، وعلى رأسها روبي جيب، المسؤول الإعلامي السابق لرئيسة الوزراء تيريزا ماي، وعضو مجلس إدارة الهيئة، والذي يرأس لجنة معايير التحرير في بي بي سي.
وأشارت الغارديان إلى أن جيب كان حتى أغسطس 2024 مديرًا لشركة جويش كرونيكل ميديا، التي تمتلك صحيفة “جويش كرونيكل” المعروفة بتغطيتها المؤيدة لإسرائيل، ما أثار تساؤلات حول تضارب المصالح. مع ذلك، نفت بي بي سي أن يكون له أي “دور رسمي” في القرار المتعلق بفيلم غزة.
خلفية متشابكة.. قرار متأثر بفيلم سابق مثير للجدل
وأوضحت الصحيفة أن قرار وقف عرض فيلم “أطباء تحت الهجوم” جاء بعد أسابيع من الجدل حول فيلم وثائقي آخر أنتجته بي بي سي بعنوان “غزة: كيف تنجو من منطقة حرب”، والذي أُزيل من منصتها iPlayer في وقت سابق من العام الجاري، بعدما تبيّن أن الطفل الذي يروي الفيلم هو ابن أحد مسؤولي حماس. وأشارت الهيئة آنذاك إلى أنها ستراجع آليات إنتاج الفيلم، وهي عملية ما زالت مستمرة.
“فيلم يوقظ الكوابيس”.. لكنه يكسر الصمت
واختتمت الغارديان تقريرها بوصف الفيلم بأنه عمل “صادم لا يمكن تجاهله”، ويمثل وثيقة نادرة عن حجم المعاناة داخل قطاع غزة، من خلال عدسة العاملين في القطاع الصحي الذين وجدوا أنفسهم في قلب الاستهداف. واعتبرت الصحيفة أن الجدل المحيط بمنع عرض الفيلم يمثل اختبارًا حقيقيًا لحيادية وهيبة المؤسسة الإعلامية الأكبر في بريطانيا، ويطرح أسئلة صعبة حول حدود الرقابة الذاتية والضغط السياسي في تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.