
في أوقات الاحتقانات المتراكمة و المنعطفات التاريخية الكبرى لا يمكن أن يحصل التغيير بدون جرعات العنف فمن خلال العنف تنطلق الشحنات الكبيرة لتناسيم الحرية وتكون اللغة لمن مُنِعوا عن فتح أفواههم زمناً طويلاً لأن تقاليد الظلم و الاستبداد التي خنقت الأنفاس و قضت على نسائم الحرية في جوانح الإنسان ستدفعه إلى الانفجار لإنه الحل الوحيد إذا مازاد عن حدّه و أُطْبقت على الأرواح و العقول و هذا ما حصل مع الثورة السورية العظيمة هذه الثورة التي لم تخمدها آلاف البراميل و عشرات الهجمات باستخدام الأسلحة الكيماوية و مئات الآلاف من الشهداء و الجرحى و المغيبين و ملايين النازحين الذين هاموا على وجوههم في اصقاع الأرض استطاعت في 8-12-2024 أن تسقط نظاماً مجرماً عاث القتل و الذل و سفك الدماء و بدأت روحاً جديدة تعود و تحطّ رحالها فوق هذا البلد المنكوب بعد أن هجرته عقود من الزمن لتنعشه و تنيره و تحييه و تخرجه من دياجير الجهل و التخلف و الظلم لتبدأ صفحة مملؤة بالعزيمة و الإصرار و التحدي.
و حتى لا تتعرض جهود هذا الشعب العظيم و تضحياته و معاناته للضياع علينا أن نمتلك القدرة على البناء من خلال رؤية واقعية لحقائق الوضع الداخلي و الخارجي سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً و برنامج عمل سياسي في كيفية التحرك و مواجهة مشكلات الداخل و تحديات الخارج و خطة واضحة لسير عملها تجاه تلك المشكلات و التحديات في الواقع المعاشي اليومي و إدراك حقيقة التحدي الحضاري الذي يواجه بلدنا و المتمثل في القوى الغربية المعادية و ذلك من خلال امتلاك مقومات القوة الحضارية التي يمتلكها خصمنا و القدرة على تحقيق التفاهم السياسي بروح الأخذ و العطاء بين كل مكونات الشعب السوري و النفس الطويل القادر على احتواء الخلافات و تعدد وجهات النظر حتى نحافظ على وحدة و أمن و استقرار بلدنا.
نعم تعيش سوريا اليوم مرحلة مفصلية و دقيقة يتزاوج فيها مشاعر الأمل بمستقبل واعد أكثر حرية و ازدهاراً مع مخاوف فيه الكثير من المجهول من خلال تدخل قوى خارجية شيطانية عدوانية خبيثة و تعمل مع قوى انفصالية داخلية تحاول أن تفرض رؤيتها المستقبلية في العبث بمقدرات البلد و تقويض و حدته و تقسيمه إلى كانتونات طائفية و قومية.
و لكن في المقابل نريد أن نقول على الرغم من المخاوف و المجهول الذي يحوم حولنا إلاّ أن الولادة الكبرى قد تمت و انتصرت في 8-12-2024 بعد مخاض طويل و عسير و عذاب مرير و أن الفضائع و الجرائم التي ارتكبت بحق شعبنا لن تذهب في بطن التاريخ و تذوب و ستكون نبراساً و مصدر إلهام لنا و للأجيال القادمة تنير دربنا و تساعدنا على تجاوز التحديات مهما عظُمت و ستولّد فكراً جديداً يعيد بناء هذا الوطن على أسس راسخة صحيحة.