
في الثالث والعشرين من أغسطس، تتقاطع في ذاكرتي أسماء ثلاثة من أعظم من حملوا على عاتقهم حلم هذا الوطن: سعد باشا زغلول، مصطفى باشا النحاس، وفؤاد باشا سراج الدين. ليس صدفة أن يذكرنا التاريخ في هذا اليوم بوفاة سعد والنحاس، وكأن القدر أراد أن يترك للأمة إشارة خفية تقول إن الرجال يرحلون ولكن الرسالة لا تموت. كلما حل هذا التاريخ أشعر أنني لا أقرأ مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل أستعيد مشهداً ممتداً يضع الماضي في مواجهة الحاضر، ويصرخ فينا جميعاً أن مصر كانت، وستظل، أكبر من كل من يحاول اختصارها في سلطة أو فرد.
سعد باشا زغلول لم يكن مجرد زعيم يفاوض المحتل، كان صوت الشعب حين اختنقت الحناجر، وكان جسراً بين طموحات الفلاحين وبساطة الحارة المصرية وبين حلم الاستقلال. هو الرجل الذي جعل كلمة “الأمة” تتجسد لأول مرة أمام الإنجليز، وأمام السلطة المحلية التي حاولت طمس إرادة الناس. حين أنظر إلى مسيرته، أجد أن قيم التضحية والجرأة والقدرة على تحريك الجماهير ليست مجرد ذكريات، بل هي مفاتيح أساسية نفتقدها في حاضرنا المليء بالضوضاء والشعارات الخاوية.
ثم يأتي مصطفى باشا النحاس، الرجل الذي تولى الراية من بعد سعد، لم يتاجر بالزعامة، ولم يحتمِ خلف تاريخ من سبقوه، بل جعل السياسة وسيلة لإنقاذ الدولة من الانقسام والفوضى. كان أكثر وعياً بخطورة اللحظة التي عاشها: بين رغبة الإنجليز في الهيمنة، وبين صراع الملك والسلطة، وبين شعب بدأ يتعلم معنى أن يكون صاحب القرار. أراه اليوم بعين مختلفة: رجل بنى شرعية بالعمل والممارسة، لا بالكلام والوعود. رجل كان يعرف أن الزعامة امتحان يومي، وأن الوطنية لا تُقاس بالشعارات وإنما بالقدرة على مواجهة الضغوط مهما كان ثمنها.
ولأن التاريخ سلسلة حلقات متصلة، لا أنسى دور فؤاد باشا سراج الدين، تلميذ النحاس وامتداد مدرسته السياسية. لم يكن تابعاً بلا روح، بل كان رجل دولة يدرك أن الوطنية ليست خطاباً يُلقى في الميادين وإنما فعل يومي يمارسه السياسي في كل قرار. كان سراج الدين شاهداً على زمن قاسٍ، لكنه لم ينكسر، بل ظل يعيد إحياء إرث سعد والنحاس، وكأنه يذكّر المصريين أن الاستقلال ليس لحظة نحتفل بها ثم ننساها، بل مسيرة طويلة تحتاج إلى رجال يملكون صلابة الإيمان بعدالة قضيتهم.
حين أربط بين تلك الحقبة وزمننا الراهن، أشعر أن الفارق شاسع، ليس لأن رجال اليوم أقل وطنية بالضرورة، ولكن لأننا فقدنا جوهر الفكرة. سعد زغلول لم يكن يبحث عن منصب، والنحاس لم يكن يسعى وراء السلطة، وسراج الدين لم يكن يلهث خلف أضواء إعلامية. جميعهم عاشوا بفكرة واحدة: مصر أولاً. أما اليوم فقد صارت الوطنية عند البعض مجرد بطاقة مرور للسلطة، أو ورقة دعائية يتلاعبون بها في سوق السياسة.
هذا التناقض يجعلني أزداد يقيناً أن استحضار ذكرى هؤلاء القادة ليس مجرد واجب عاطفي أو طقس تاريخي، بل هو امتحان قاسٍ للحاضر. حين نقرأ سيرهم علينا أن نسأل أنفسنا: هل ما زلنا نملك القدرة على إنتاج رجال بهذا النقاء وهذا الإصرار؟ هل لا يزال في الأمة من يستطيع أن يجعل السياسة مرادفة للوطنية، لا وسيلة للمكاسب الشخصية؟
في الثالث والعشرين من أغسطس لا أبكي على رحيل سعد ولا على غياب النحاس، لأنني مقتنع أن الأوطان التي أنجبت مثل هؤلاء لن تعقم. لكنني أغضب، وأحياناً أصرخ في داخلي: لماذا تركنا ميراثهم يتآكل بهذا الشكل؟ لماذا صار الاستقلال مجرد كلمة محفوظة في كتب التاريخ، بينما الممارسة الفعلية على الأرض لا تزال أسيرة الحسابات الضيقة والمصالح المتشابكة؟
إن سعد زغلول حين خرج في ثورة 1919 لم يكن يعرف أنه يكتب أول فصول الديمقراطية الشعبية في مصر، لكنه فعل ذلك بلا تنظير أو إدعاء. والنحاس حين قاوم كل الضغوط ليحافظ على فكرة الدستور لم يكن يستعرض بطولة شخصية، بل كان يؤسس لإيمان راسخ بأن الدولة لا تقوم إلا بالقانون. وسراج الدين حين صمد أمام العواصف كان يثبت أن الوطنية لا تموت برحيل أصحابها.
اليوم، نحن في أمسّ الحاجة إلى استعادة هذا الوعي، لا لنعيش في الماضي، بل لنفكك الحاضر ونبني المستقبل. إن ذكراهم بالنسبة لي ليست تمثالاً من البرونز أو لافتة في شارع، بل وصية سياسية وأخلاقية: إذا أردت أن تكون وطنياً، فلتضع مصر فوقك، وفوق كل حساباتك.
رحل الرجال، لكن يوم 23 أغسطس يظل جرس إنذار حيّاً: إما أن نتعلم الدرس ونستعيد شجاعة مواجهة الحقائق، أو نكرر أخطاءنا ونظل ندور في دوائر فارغة. وأنا، كلما أتى هذا اليوم، أجد نفسي أمام مرآة صعبة: ماذا فعلنا بما تركه لنا سعد والنحاس وسراج الدين؟ وهل سنظل نردد أسماءهم بحنين فارغ، أم سنحول ذكراهم إلى مشروع وطني حقيقي يليق بمصر؟