أقلام يورابيا

مفتاح الحل في واشنطن: هل تقود براغماتية أمريكا إنقاذ سوريا؟ 

خالد المطلق

 

تُشكل الأحداث الأخيرة في سوريا تحولًا جذريًا في مسار الصراع الذي طال أمده، خاصة بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على مقاليد الحكم في البلاد، لقد كان هذا التطور بمثابة نقطة تحول أثارت تساؤلات عميقة حول مستقبل سوريا ليس فقط على المستوى المحلي بل أيضًا على الصعيدين الإقليمي والدولي، فعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية في عهد بايدن لم تكن راضية عن النظام البائد بسبب تحالفاته مع تنظيمات إرهابية إلا أن الآمال التي عُلقت على سقوط هذا النظام في ظهور دولة ديمقراطية وتعددية كانت بعيدة المنال، لكن في المقابل تشكل نظام جديد لا يختلف في طابعه القمعي عن سابقة مما يضع الشعب السوري مرة أخرى بين طرفين لا يقل أحدهما قمعًا عن الآخر. 

إن أبرز ملامح المشهد السوري الحالي هو التجاهل التام للمكونات السورية المتنوعة مثل العلويين والدروز والأكراد والمسيحيين والوطنيين المعتدلين من أبناء السنة، هذه المجموعات التي لا تملك صوتًا مسموعًا أصبحت عُرضة لانتهاكات جسيمة وتهميش غير مسبوق، فقد أثارت المجازر التي ارتكبت بحق العلويين والدروز قلقًا عالميًا واسعًا، وتُعد هذه الأحداث في كل من الساحل والسويداء انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، ولا شك بأن تداعيات هذه الجرائم قد تُشكل حافزًا لدفع ما يُعرف بـ”أصدقاء سوريا الحرة” للتحرك لإنهاء هذه الانتهاكات وحماية هذه المكونات من المزيد من العنف والتهميش. 

إن أخطر ما سيواجهه حكام دمشق المؤقتون رد فعل الجاليات السورية في المهجر خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، ويُعد رد الفعل هذا عاملًا حاسمًا في التأثير على الرأي العام الغربي، هذه الجاليات التي تضم تمثيلًا واسعًا للمكونات السورية بدأت في تكثيف تواصلها مع الحكومات والإعلام الغربي لتوضيح حقيقة ما يجري على الأرض، ومن المتوقع أن يُحدث هذا الجهد تغييرًا في المواقف الغربية خاصةً مع وجود مجموعات ضغط مؤثرة مثل الإنجيليين في أمريكا واللوبي اليهودي والليبراليين من كافة أطياف الشعب السوري والتي قد تُسهم في دعم هذه الأقليات ومن المؤكد إن تحرك هذه الجاليات لن يقتصر على سرد الأحداث بل سيهدف إلى تشكيل موقف غربي أكثر وعيًا بما يحدث. 

إن إيجاد حل سياسي في سوريا تكمن صعوبته في استحالة تطبيق نموذج فدرالي أو لامركزي في ظل وجود فصائل جهادية حيث أن عقيدتها ترفض أي تقسيم للسلطة وتؤمن بحكم مركزي مطلق بناءً على ذلك فإن الحل المقترح يتطلب تدخلًا دوليًا حاسمًا يفرض انسحاب الميليشيات الجهادية المتطرفة من المناطق التي ارتكبت فيها المجازر علاوة على ذلك يجب على المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضمان أمن وحرية مناطق رئيسية مثل الساحل والشمال الشرقي والسويداء والوطنيين الأحرار من أبناء السنة، إن إنتاج صيغة سياسية جديدة تجمع كل الأطراف السورية على طاولة مفاوضات تُعد ضرورة حتمية لإيجاد حل مستدام يحفظ كرامة الشعب السوري ووحدته. 

خلاصة القول إن مفتاح الحل موجود في واشنطن ومن المعروف أن السياسة الأمريكية تتميز بطابعها البراغماتي فهي لا تلتزم بأيديولوجية ثابتة وإذا فشلت صيغة ما فإنها لا تتردد في البحث عن بديل، ولهذا من المهم جدًا أن يكون المسؤولون الأمريكيون على اتصال مباشر مع جميع الأطراف السورية وليس فقط مع النظام المركزي لكي يفهموا الوضع بشكل كامل ودقيق، إن السلام الحقيقي في سوريا لا يمكن أن يتحقق من خلال تقارب خارجي أو حلول مفروضة بل يجب أن ينبع من سلام داخلي بين كل مكونات الشعب السوري يضمن حقوقهم ويحقق تطلعاتهم في الحرية والعدالة، إن بناء هذا السلام الداخلي هو الخطوة الأولى والأهم نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لسوريا. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى