يورابيا ـ موسكو ـ من علي الخطايبة ـ يستمر الخلاف حول ملكية جزر الكوريل المتنازع عليها بين روسيا واليابان منذ أكثر من سبعين عاما، فقد بسط الاتحاد السوفيتي سيطرته على الجزر الأربعة وهي ايتوروب وكوناشير وشيكوتان وهابوماي في نهاية الحرب العالمية الثانية ولا تزال طوكيو تعتبر أن هذه الجزر يتبعن إداريا لمحافظة هوكايدو اليابانية وعلى هذا الأساس تنطلق في مفاوضاتها مع موسكو.
وعند البحث في قضية جزر الكوريل نرى أن الخلافات تعود إلى عهد روسيا القيصرية، ففي نهاية القرن الثامن عشر وقعت الإمبراطورة كاترين الثانية مرسوما يُدرج جزر الكوريل تحت السيادة الروسية، لكن هذا المرسوم لم يضع حدا للصراع مع اليابان على ملكية الجزر.
وبعد مفاوضات مضنية استمرت لعقود وقعت روسيا القيصرية واليابان عام 1855 اتفاقية سميت بـ”اتفاقية شيمودا” تخلت بموجبها روسيا عن جزر إيتوروب، وكوناشير، و شيكوتان، وهابوماي، واحتفظت لنفسها بجزر الكوريل الشمالية، وظلت قضية ملكية جزيرة ساخالين الواقعة تحت السيطرة الروسية عالقة.
وبعد ربع قرن من المفاوضات وقعت روسيا واليابان في بطرسبورغ العاصمة الروسية آنذاك عام 1880على معاهدة اعترف بموجبها الجانبان بالسيادة اليابانية على جزر الكوريل الأربعة ( 15ألف و500 كم) والسيادة الروسية الكاملة على جزيرة ساخالين.
لكن المعاهدة فقدت معناها بعدما أسفرت الحرب الروسية- اليابانية التي بدأت عام 1904 عن ضم اليابان المنتصرة في تلك الحرب جنوب ساخالين بالاضافة لأرخبيل الكوريل واستمر هذا الترسيم الاقليمي الذي فرضته الحرب إلى أن غيرته حرب أخرى نشبت بين البلدين في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
العلاقات بين موسكو وطوكيو لم تكن سهلة منذ بداية الحرب العالمية الثانية بالرغم من توقيع الاتحاد السوفيتي في أبريل/ نيسان 1941 معاهدة “عدم اعتداء” مع اليابان المنطوية تحت راية التحالف النازي تجنبا لفتح جبهة من الشرق والدفع بقوات الجيش الأحمر في الحرب التي اندلعت للتو مع المانيا النازية على الجبهة الغربية.
وعندما شارفت الحرب العالمية على الانتهاء وكانت القوات السوفيتية داخل الأراضي الألمانية تقترب من الاستيلاء على برلين، انسحبت موسكو في 11 أبريل/ نيسان 1945 من اتفاقية “عدم الاعتداء” وفي أغسطس/ آب من العام ذاته أعلن الاتحاد السوفيتي الحرب على اليابان واستعاد السيطرة على ساخالين وفرض سيطرته على جزر الكوريل الأربعة التي لا تزال إلى يومنا هذا مادة للتفاوض بين موسكو وطوكيو.
وسبق اعلان الحرب على اليابان توقيع اتفاقية سرية بين موسكو وواشنطن ولندن الحلفاء حينذاك ضد النازية، اشترط فيها الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين ضم جنوب ساخالين وجزر الكوريل وقبلت واشنطن ولندن بذلك، وفي فبراير 1945 ثبّت الحلفاء في مؤتمر يالطا في ما سُمي بـ”اتفاق القرم للقوى الثلاث الكبرى في قضايا الشرق الأقصى” انتقال ملكية جنوب ساخالين والكوريل للاتحاد السوفيتي.
وبعد قيام مجلس السوفييت الأعلى (البرلمان) بدمج سخالين والكوريل والحاقها إداريا بجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية من أجل حشد اعتراف دولي بالسيادة عليها، حصلت موسكو على اعتراف الدول الكبرى وبقية الدول التي كانت ضد الحلف النازي في الحرب العالمية الثانية التي وضعت أوزارها.
ووافقت الحكومة اليابانية في فبراير/ نيسان 1951على بند في “معاهدة سان فرانسيسكو” يعترف بالسيادة السوفيتية على الجزر وذلك بضغط من الولايات المتحدة وبريطانيا على أن تصبح سارية المفعول في 28 أبريل/ نيسان 1952، إلا أن ستالين لم يكن راضيا لأن النص صيغ من قبل واشنطن ولندن ورفض هذه المعاهدة بعد أن انتقد الوثيقة لأنها لم توضح لصالح من تتنازل طوكيو عن جزر الكوريل!.
الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف الذي حكم منذ 1953 ولغاية 1964 بعد وفاة ستالين كان أهم الناقدين لقرار عدم التوقيع على “معاهدة سان فرانسيسكو”، فقد كتب في مذكراته “لقد حافظ الأميركيون على كلمتهم. كان من المفروض مراعاة مصالح البلاد ووضعها فوق أي اعتبار. لا أعرف ما الذي لعب الدور الرئيسي في رفضنا للمعاهدة”.
وفي هذا السياق، أعرب يفغيني بريماكوف الذي يلقب بـ” بطريارك الدبلوماسية الروسية” بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 عن أسفه لرفض المعاهدة قائلا: “لقد فوتنا فرصة ذهبية. لو لم نرفض التوقيع على معاهدة سان فرانسيسكو، لما كان لدينا مشاكل اقليمية مع اليابان الآن”.
ويقول خروتشوف في مذكراته إنه حاول تفادي خطأ موسكو الدبلوماسي الذي سرعان ما استغله الساسة الأمريكيين والبريطانيين، وإنه سعى إلى التوقيع على معاهدة سان فرانسيسكو بأثر رجعي، لكنه واجه عدم قبول لمقترحاته من الأمريكيين أولا ثم اليابانيين.. “لقد بدأ اليابانيون في التملص من بعض بنود المعاهدة التي تُثبت انتقال جزر الكوريل وجنوب سخالين إلى الاتحاد السوفيتي.. لقد انتهت الحرب، وهُزم العدو الرئيس الذي من أجل هزيمته احتاجنا الغرب، والآن بدأت واشنطن في التحالف مع اليابان وتعبئة حلفائها ضد الاتحاد السوفييتي”.
وبالرغم من الدخول في مرحلة التقارب العسكري – السياسي بين طوكيو وواشنطن وبدء الأخيرة بإنشاء قاعدة عسكرية لها على الأراضي اليابانية، إلا أن الجانب الياباني أدرك الحاجة إلى إجراء اتصالات مع موسكو وإطلاق حوار مرة أخرى نتج عنه إبرام معاهدة ثنائية في فبراير/ شباط 1956، استُئنفت على ضوئها العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بين البلدين، ووافق الكرملين على إعادة النظر بجزيرتي شيكوتان وهابوماي مقابل سحب القوات الأجنبية من اليابان.
وانتقلت قضية الكوريل إلى الواجهة مرة أخرى بعد أن حل في الاتحاد السوفيتي التفكير السياسي الجديد “البيريسترويكا” ( إعادة البناء) الذي بادر به آخر زعماءه ميخائيل غورباتشوف في منتصف ثمانينات القرن الماضي، ورأى اليابانيون أن فرصة تسوية القضية الإقليمية مع الروس قد حانت.
وفي بداية عام 1990 وصل وزير الخارجية شينتارو آبي (والد رئيس وزراء اليابان الحالي شينزو آبي) إلى موسكو لإقامة علاقة شخصية وثيقة مع غورباتشوف، وقبل الأخير دعوة الضيف لإجراء محادثات مماثلة في طوكيو.
وقال غورباتشوف في كتابه “في عالم متغير”: ” حذرني وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر من أنه ليس من السهل التفاوض مع اليابانيين، وقال لي لا يوجد أكثر منهم تعنتا في العالم، إنهم قادرين على تكرار مطالبهم لساعات والإصرار عليها ومن ثم العودة إلى نقطة الصفر وتكرار مطالبهم مرة أخرى”.
عرض الوفد الياباني على غورباتشوف اتخاذ إعلان عام 1956 كأساس للمفاوضات للوصول إلى اتفاق سلام دائم شرط أن تعيد موسكو الجزر الأربعة وليس اثنتين مقابل تقديم طوكيو مساعدات اقتصادية لموسكو.
وحول هذا العرض قال غورباتشوف في كتابه:” أفشل اليابانيون هذا الاجتماع بعرضهم هذا فقد بدأوا بالمساومة وتحدثوا معنا وكأننا نشحد منهم السلام.. قلت لهم إنني أرفض بشدة هذه الطريقة في الحوار من حيث المبدأ .. تحدثت ضد ربط التعاون الاقتصادي بنجاح المفاوضات وقلت لهم يجب أن نبدأ بتطوير العلاقات في جميع المجالات بما في ذلك الاقتصاد والتجارة والاستثمار”.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي حاول بوريس يلتسن، أول رئيس لروسيا الاتحادية الوريثة القانونية للاتحاد السوفيتي بما له وما عليه، أن يصل إلى حل لقضية الكوريل العالقة والتي تقف عائقا أمام فتح علاقات أقتصادية وتبادل تجاري أمام البلدين لكنه اصطدم بالتعنت الياباني ومطالبهم التي قد تودي بمستقبله السياسي.
وذكر يلتسن في كتابه “ملاحظات رئيس” :” درسنا اقتراحات للحل فوجدنا أن لدينا 14 خيارا يمكننا طرحها في لقاء مرتقب، لكننا تفاجئنا عند اتصالنا بالجانب الياباني بأن لديه اقتراح واحد فقط هو أن نعيد الجزر لأن ملكيتها في الأساس تعود لليابان، لذا اتخذت قرارا بإلغاء اللقاء قبل يومين من موعده”.
وفي كتابه “السباق الرئاسي” قال يلتسن:” التقيت مع (رئيس الوزراء الياباني ريوتارو) هاشيموتو في (مقاطعة) كراسنويارسك (الروسية) في عام 1997 واصطحبته في رحلة لصيد السمك، وكنت أود اصطياد السلام أيضا، سلام يُبنى على أساس معاهدة واضحة.. توصلنا خلال الاجتماعات بدون ربطات عنق إلى الاتفاق بشأن الصيد البحري المشترك والاستثمارات والضمانات المصرفية.. توقعت أن تكون معاهدة السلام على وشك الانتهاء بحلول العام 2000″.
وفي عام 2000 الذي تنبأ يلتسن أن تنضج فيه معاهدة السلام بين البلدين انتقلت السلطة إلى فلاديمير بوتين الذي أبدى في ولاية حكمه الأولى استعداد موسكو لمواصلة المفاوضات ومناقشة شروط معاهدة سلام مع اليابان استنادا لـ “إعلان موسكو 1956”.
وعندما تسلم شينزو آبي منصب رئيس الحكومة في اليابان عام 2012 بدأت طوكيو تتحدث عن نهج جديد في العلاقات مع موسكو وضرورة تسوية النزاعات القديمة، وفي إطار السياسة الجديدة المعلنة في اليابان عقد بوتين وآبي عدة لقاءات لكنهما لم يفلحا في التوصل لإبرام اتفاقية سلام.
وفي منتدى بطرسبورغ عام 2015 طرح بوتين على آبي وبحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ عقد معاهدة سلام نهاية العام دون شروط مسبقة، وقال موجها الكلام لآبي 70 عاما ونحن نتفاوض دون نتيجة دعونا نوقع معاهدة ومن ثم كأصدقاء نبدأ بحل كل المسائل العالقة وصفق الحضور طويلا، وقابل آبي الاقتراح بابتسامة دون تعليق.
وجرى لقاء بين بوتين وآبي على هامش منتدى في سينغافورة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 دون إحراز أي تقدم في قضية الكوريل، لكن تصريحات صدرت عن بعض المسؤولين في اليابان أشارت إلى وجود خطط لإجراء استفتاء بين سكان الجزر المتنازع عليها ( نحو 20 ألف نسمة) من أجل توضيح رأيهم حول هذه القضية، استدعت على أثرها وزارة الخارجية الروسية السفير الياباني لدى موسكو للتعليق على الشائعات الخاطئة حول وضع جزر الكوريل.
ويلاحظ المتابع لوسائل الإعلام الروسية ووسائل التواصل الاجتماعي أن ثمة اعتقاد سائد أنه حالما تبرم موسكو معاهدة سلام مع طوكيو ويتم حل قضية الجزر المتنازع عليها ستطبق اليابان على الفور العقوبات الأمريكية ضد روسيا وقد تصبح طوكيو أحد أدوات الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة ضد روسيا تحت ذرائع مختلفة، ويعتقد البعض أن اليابان لن يحتاج إلى أي شيء من روسيا ناهيك عن الوجود العسكري الأمريكي على الأراضي اليابانية الذي قد يصل إلى هذه الجزر بعد انتقالها للسيادة اليابانية.
وإذا ما استثنينا هذه الافتراضات فهناك أسباب كثيرة تجعل اليابان صديقة لروسيا بعد توقيع معاهدة سلام مرضية للطرفين تتضمن فتح علاقات تعاون طويلة الأمد تصبح خيارا استراتيجيا كما هو الحال في علاقة روسيا مع الصين في السنوات الأخيرة، فاليابان بحاجة لكميات هائلة من النفط الروسي القريب، وروسيا بحاجة لليابان لمساعدتها في تطوير وتحديث قطاع الصناعة في البلاد والمساهمة في تنمية منطقة الشرق الأقصى الروسية القريبة من اليابان والتي تسعى الحكومة الروسية لجذب استثمارات أجنبية لتمويل مشاريع عملاقة فيها وتحسين بيئتها الاستثمارية.