أقلام يورابيا

ترامب لاعب الخفة المفضوح والعرب في مسرحية الانكشاف الكبير

أحمد المصري

عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية عام 2025، لم يعد رئيسًا جديدًا يختبر السلطة، بل عاد كرئيس مخضرم يعرف جيدًا كيف يُوظف القوة الأميركية لخدمة أجندته الشخصية. عاد ومعه فوضاه، صفقاته، استعراضه، وانحيازه المطلق لإسرائيل. وبينما يعيد تشكيل تحالفات بلاده وفق منطقه الصدامي، وجد العرب أنفسهم مجددًا على مسرح ترامب… لكن هذه المرة بلا أقنعة.

عادت “اتفاقيات أبراهام” إلى الواجهة مجددًا، لكن ليس كإنجاز سياسي، بل كدليل إضافي على أن التطبيع مع إسرائيل لا يحمي، بل ربما يُعرّض أصحاب المبادرات للخطر. ففي تطور صادم، شنت إسرائيل ضربة عسكرية على منشآت داخل قطر، الحليف المقرب لواشنطن ومقر أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط ـ قاعدة العديد.

ورغم أن الدوحة كانت في طليعة من تعاونوا مع إدارة ترامب الجديدة، وقدمت طائرة رئاسية فاخرة كهدية رسمية، فإن الرد الأميركي كان الصمت التام، ما كشف أن سياسة ترامب لا تميز بين صديق وعدو، وأن منطق القوة الإسرائيلية هو الغالب.

لم يكن الموقف القطري معزول، بل إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي لطالما نسج علاقة خاصة مع ترامب، قرأ المشهد مبكرًا. فبعد أن دفع مليارات الدولارات خلال زيارة ترامب الأخيرة للرياض، أدرك أن الاعتماد على إدارة تُغير مواقفها وفق مزاج رئيسها يشكل خطرًا على الأمن القومي.

لذلك، فاجأ الجميع بتوقيع اتفاقية دفاعية شاملة مع باكستان، شملت تدريبات مشتركة وتعاون استخباراتي وتقني ونووي، في خطوة تشير بوضوح إلى إعادة توجيه البوصلة الاستراتيجية بعيدًا عن واشنطن، أو على الأقل تحصين القرار السعودي من تقلبات ترامب.

وفي موقف لافت، رفض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تلبية دعوة رسمية من البيت الأبيض للقاء ترامب، كما تغيب عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، رغم حضوره شبه الدائم سابقًا.

مصادر دبلوماسية مصرية أشارت إلى أن السيسي لا يريد أن يكون “جزءًا من مسرحية سيئة الإخراج”، في إشارة إلى الاستعراض السياسي الذي تقوده إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط. القاهرة، التي تحاول الحفاظ على تموضع متوازن بين واشنطن وموسكو وبكين، لا تريد أن تُحشر في زوايا الصراعات السياسية الأميركية.

ترامب لا يُخفي ازدراءه للمؤسسات والقانون الدولي، وهذا ما جعله شخصية ملهمة لبعض الأنظمة العربية ذات النزعة السلطوية. خطابه الشعبوي، المعادي للإعلام، المناوئ للمعارضين، والمُحتقر للآليات الديمقراطية، انسجم مع مناخ سياسي عربي مأزوم يقدّس “الرجل القوي” ويشيطن المؤسسات.

لكن المدهش أن هذا الانسجام لم يؤتِ ثماره. فترامب، الذي يتقن “فن الخداع السياسي”، لم يَضمن الحماية حتى لأكثر المتحمسين له. ومع الوقت، انكشفت اللعبة: المال لا يشتري الحماية، والتقرب لا يشتري الولاء، والرهانات الفردية تنهار عند أول اختبار جدي.

في خضمّ هذا المناخ المتوتر، تسعى إدارة ترامب لتفعيل خطة اقتصادية تُعرف بـ”السلام مقابل التنمية”، تعيد طرح مشروع قديم جديد أعدّه جاريد كوشنر وتوني بلير. الخطة تستهدف قطاع غزة تحديدًا، وتقترح مشاريع اقتصادية كبيرة بتمويل خليجي في مقابل تفكيك سلاح المقاومة وتحويل غزة إلى كيان منزوع السيادة، تُديره جهة فلسطينية ضعيفة بعيدا عن السلطة الفلسطينية ورغم تحفضنا عليها الا انها من تمثل الفلبسطنيين حاليا.

تتردد بعض العواصم في دعم الخطة، فيما رفضتها الفصائل الفلسطينية جملةً وتفصيلًا، معتبرة أنها امتدادٌ لصفقة القرن، وأنها تمهيد لتصفية القضية الفلسطينية، عبر فرض حلول اقتصادية بدلًا من الحقوق السياسية.

زيارة ترامب الأخيرة إلى الخليج عام 2025 أعادت استنساخ منطق “الجزية المعاصرة”. مليارات الدولارات أُبرمت كصفقات، وطائرة رئاسية أُهديت له من قطر، لكن لم يكن هناك مقابل حقيقي. فقط وعود فضفاضة، وصور بروتوكولية، واستعراضات إعلامية على حساب سيادة الدول.

الرسالة التي تلقاها الجميع كانت واضحة: ترامب لا يملك حلفاء، بل عملاء سياسيين مؤقتين. ومن لا يدفع، يتم التخلي عنه. ومن يدفع، ربما يتم ضربه إذا كانت مصلحة إسرائيل تقتضي ذلك.

في تطور لافت ومفاجئ لكثير من العواصم العربية، بدأت دول أوروبية وغربية عديدة بإعادة النظر في سياساتها التقليدية تجاه القضية الفلسطينية. فقد أعلنت كل من إسبانيا، أيرلندا، النرويج، وبلجيكا رسميًا اعترافها بالدولة الفلسطينية، في خطوة رمزية لكنها شديدة التأثير، خصوصًا أنها جاءت في ظل حرب إسرائيلية مفتوحة على غزة.

الاعتراف لم يكن معزولًا، بل جاء متزامنًا مع موجة إدانات دولية وحقوقية لإسرائيل، حيث اتهمتها مؤسسات وشخصيات قانونية عالمية، بينها قضاة سابقون في محاكم جرائم الحرب، بارتكاب إبادة جماعية ممنهجة في قطاع غزة، خصوصًا بعد توثيق استخدام أسلحة محظورة واستهداف المدنيين والبنية التحتية الطبية والتعليمية.

هذا التحول أثار قلقًا واضحًا في واشنطن وتل أبيب، إذ بدأ يكشف أن الرواية الإسرائيلية لم تعد مقنعة حتى لحلفائها التاريخيين، وأن تراكم الوحشية لم يعد قابلًا للتغطية الإعلامية أو السياسية، خاصة في عصر الشفافية الرقمية ووسائل الإعلام البديلة.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه بعض الأنظمة العربية تتلعثم أو تلتزم الصمت، يُظهر الشارع العربي وقطاعات كبيرة من الرأي العام العالمي دعمًا متصاعدًا للفلسطينيين، ما يخلق فجوة متزايدة بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي، ويضع أنظمة التطبيع في موقف أخلاقي حرج.

عاد ترامب، لكن انكشفت لعبته، ولم تعد تنطلي حتى على أقرب الحلفاء. إسرائيل تضرب قطر، السعودية تُجري تحالفات بديلة، مصر ترفض الانخراط، والفلسطينيون يتجهزون لجولة مواجهة جديدة. يبدو أن المسرح الأميركي في الشرق الأوسط بدأ يتصدع.

الفرصة الآن أمام العرب ليست فقط في الانسحاب من هذا المسرح الرديء، بل في كتابة سيناريو جديد لمصالحهم الوطنية، بواقعية، وباستقلال، وبعقلانية لا تخضع للابتزاز ولا تنخدع بالبهرجة.

لعلّ اللحظة مناسبة للانتقال من دور الكومبارس إلى موقع كاتب القصة… قبل أن يُكتب التاريخ مرة أخرى على يد “لاعب خفة” لا يجيد شيئًا سوى إخفاء الحقيقة خلف دخان العرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى