
بينما يتصاعد منسوب التوتّر العسكري بين إسرائيل وإيران في غير ساحة، ويبدو أنّ الصراع بات أقرب من أيّ وقت مضى إلى نقطة اللاعودة، تتوالى التقديرات التي تفيد بأنّ الموقف الأميركي سيظلّ محكومًا، حتى الساعة، بلغة التحفّظ والحسابات الدقيقة، على الرغم من هول ما خلّفته الضربات الأميركية المباشرة الأخيرة، فجر الأحد، في العمق الإيراني. فالرئيس دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض مطلع العام الجاري وسط زخمٍ داخلي غير مسبوق، كان يرفض الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، رغم ضغط المؤسسة الإسرائيلية وقيادات الجمهوريين في الكونغرس، بل وربّما رغم ميوله الشخصية التي لطالما اتّسمت بالنزعة الاستعراضية في اتخاذ القرارات الكبرى.
فما الذي يفسّر التردّد الترامبي الذي لاحظناه على مدى الأيام الثمانية الماضية؟ وهل هو مجرّد مناورة ظرفية؟ أم أنّه يستبطن تحوّلات أعمق تتجاوز اللحظة الراهنة، وتطال جوهر الموقف الأميركي من فكرة الحرب ذاتها في زمنٍ ما بعد هيروشيما وأوشفيتز؟
من “القدر الأميركي” إلى “التاريخ المتشظّي”
في كتابه الفلسفي “الله في التاريخ”, كتب الفيلسوف والحاخام اليهودي إميل فاكنهايم: “لقد كان بوسع إيمانويل كانط، على رصانته ورجوح عقله، أن يذهب جادًا إلى حدّ اعتبار أنّ الحرب تخدم الأغراض الإلهية. أمّا بعد هيروشيما، فقد بات الناس ينظرون إلى الحروب كافة باعتبارها، في أفضل الحالات، شرًّا لا بدّ منه”… ويضيف: “بعد أوشفيتز، فإنّ أيّ إنسان يذكر هذه الحجة يُتَّهمُ بالكفر… فبعد تلك الأحداث الرهيبة التي وقعت في قلب العالم التكنولوجي المستنير الحديث، هل لا يزال في الإمكان أن نؤمن بإلهٍ يمثّل التقدّم الضروري، أكثر ممّا نؤمن بإلهٍ تتجلّى قدرته في صورةِ عنايةٍ إلهيةٍ تراقب مسيرة الكون”؟
يُضيء هذا النص النادر على أزمة الوعي الغربي الحديث تجاه العنف. فالولايات المتحدة، وريثة “القدر الأميركي” وأسطورة التدخّل الخلاصي في الحروب، تجد نفسها اليوم في لحظة انكسار أخلاقي لا تقلّ تعقيدًا عمّا واجهه مفكرو أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. والحرب، التي كانت تُبرّر باسم “الحرية”، باتت تثير ارتيابًا مزدوجًا: هل الغاية فعلًا تبرّر الوسيلة؟ وهل ثمة “غاية” أصلاً في عالمٍ متشظٍ، تُحدَّد فيه المفاهيم بسطوة الرواية الأقوى؟
ترامب بين حتميّة الحرب وهاجس الإرث
ليس سرًا أنّ ترامب، في دورته الرئاسية الثانية، يسعى إلى ترميم إرثه الشخصي والدولي بعد الانتكاسات المتوالية لعهده الأول. ورغم تمسّكه بلغة التهديد حيال إيران، ورفع منسوب التنسيق مع حكومة بنيامين نتنياهو، فإنّ ممانعته الضرب العسكري المباشر، في البداية، تعبّر عن قلق مزدوج: أولًا، من الانزلاق في مستنقع حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط تعيد إلى الأذهان عقدين من الإخفاق في العراق وأفغانستان. وثانيًا، من أن تُحوَّل المواجهة إلى ساحة استهداف مباشر للقواعد الأميركية في المنطقة، بما يهدّد الاستقرار النسبي الذي يسعى إلى تحقيقه في ولايته الحالية.
ولعلّ المفارقة الكبرى أنّ ترامب، الذي لطالما اتُّهم بالمجازفة والتسرّع، عدَّ إلى العشرة قبل إصدار أوامره بقصف المنشآت النووية الإيرانية، علمًا أنه لا يزال يدرك أنّ أيّ صدام عسكري مباشر مع إيران، خصوصًا في ظل الحضور الروسي والصيني المتعاظم في المنطقة، لن يكون مجرّد “عملية تأديبية”، بل قد يُشعل صراعًا إقليميًا واسعًا يتجاوز قدرة واشنطن على احتوائه، لا سياسيًا ولا معنويًا.
إسرائيل التي تريد الحرب… وأميركا التي تخشى اللا يقين
من جهتها، تواصل إسرائيل الترويج لمعادلة “الفرصة الذهبية”: فطهران تعاني داخليًا، ومحور المقاومة يتعرّض لضربات متقطّعة في اليمن ولبنان والعراق، والشارع الإيراني غاضب من التدهور الاقتصادي، والبرنامج النووي بلغ مراحل حرجة. وعليه، ترى تل أبيب أنّ لحظة الحسم قد تكون الآن… أو لا تكون.
لكنّ الحسابات الإسرائيلية لا تتطابق بالضرورة مع نظيرتها الأميركية. فواشنطن ترى في أيّ حرب مباشرة مخاطرة لا يمكن التحكّم في مخرجاتها، وخصوصًا إذا ما انزلقت إلى مواجهة ثلاثية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. والأسوأ من ذلك أنّ الإدارة الأميركية تخشى أن يُنظر إلى الحرب – مهما كانت دوافعها – كغطاء أخلاقي مزيّف لاستراتيجية هيمنة باتت مرفوضة في الجنوب العالمي.
“الله في التاريخ”… ونهاية الزمن الأخلاقي للحروب
وسط هذا السياق المتداخل، يبدو موقف ترامب أكثر اقترابًا، وإن بغير قصد، من تأملات فاكنهايم حول “القدر الإلهي” و”الحروب غير المقدّسة”. فالعالم المعاصر، بعد كل ما مرّ به من مآسي، بات أكثر ميلًا إلى مساءلة جدوى العنف ذاته، وليس فقط دوافعه. وما كان يبدو في الماضي “ضرورة أخلاقية”، تحوّل إلى عبء وجودي على من يملكون الزرّ النووي أو قرار الاجتياح.
فهل يُمكن القول إنّ تردّد ترامب، ما قبل الضربة، لم يكن خيارًا استراتيجيًا فقط، بل مؤشرًا على تحوّل عميق في الوعي الأميركي تجاه فكرة الحرب كأداة للردع أو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية؟
ربما. وربما يكون ذلك مجرّد هدوء ما قبل العاصفة. لكنّ المؤكد أنّ “الله في التاريخ”، كما طرحه فاكنهايم، لم يعد إلهًا يبارك الطغاة، ولا يهوى الحروب. هو، في أحسن الأحوال، إلهُ حيرةٍ… يراقب.
إعلامي وكاتب لبناني