أقلام يورابيا

العدالة الغربية المُعلّبة.. إيران والعراق حين تصنع القوى الكبرى روايتها 

أحمد المصري

في كل لحظة اشتعال للصراع في أي بقعة من العالم، لا تبدأ المعركة من الميدان، بل من غرف الأخبار. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح أداة استراتيجية تُستخدم ببراعة في رسم السرديات وتوجيه الرأي العام، خاصة حين تكون الدولة المعتدية جزءًا من التحالف الغربي أو على رأسه.

أمريكا، على سبيل المثال، لا تحتاج إلى مدافع حين تتحرك آلاتها الإعلامية. المثال الصارخ يظل غزو العراق عام 2003، حيث بُنيت الحرب على “كذبة كبرى” اسمها أسلحة الدمار الشامل. ادّعت إدارة بوش الابن أن العراق ممثلا برئيسه صدام حسين يملك ترسانة تهدد العالم، وتبنّت وسائل الإعلام الكبرى تلك الرواية دون تحقيق، وروّجتها كحقيقة مطلقة.

وحين سقطت بغداد، وسقط معها كل دليل على هذه الأسلحة، لم يُحاكم أحد. لا جورج بوش الابن، ولا توني بلير، ولا حتى المسؤولين الذين قدموا المعلومات الزائفة. بالمقابل، حوكم العراق بكامله، فُكّك، وقُتل مئات الآلاف، وتم تسويغ ذلك كله بلغة “التحرير والديمقراطية”.

هذه ليست مجرد صدفة، بل نمط. كلما تعلق الأمر بدولة عربية أو ضعيفة، تُسخَّر المنظومة الإعلامية الغربية لتأطير الحدث بما يخدم المصالح الجيوسياسية. الكذبة تُضخّم، والضحية تُشوَّه، والجلاد يُبرَّأ.

واليوم، نعيش نسخة جديدة من هذا السيناريو، لكن في مسرح مختلف: إيران وإسرائيل.

من الناحية القانونية البحتة، فإن من بدأ بالعدوان هي إسرائيل، عبر سلسلة طويلة من العمليات السرية والاغتيالات داخل الأراضي الإيرانية، استهدفت علماء، وقصفت منشآت، وخرقت السيادة الإيرانية مرات عدة. رغم ذلك، عندما ردّت إيران بضربة معلنة وواضحة، قُلب المشهد: صارت إيران هي “المعتدية”، وتحولت إسرائيل إلى “الضحية”.

نتنياهو، الذي يُصنّف في نظر شريحة واسعة من القانونيين والمؤرخين كمجرم حرب، بسبب سياساته في غزة والضفة الغربية، يُقدَّم اليوم في الإعلام الغربي على أنه زعيم يقود بلاده في معركة وجودية ضد “الإرهاب الإيراني”. وتُستنسخ معه أدوات البروباغندا ذاتها: التهويل، الخوف، الصور المنتقاة بعناية، وطمس السياق التاريخي والسياسي للصراع.

المحكمة الجنائية الدولية، التي تحاكم قادة أفارقة وتفتح ملفات ضد روسيا في حربها على أوكرانيا، تقف عاجزة أمام إسرائيل. رغم كل التقارير الصادرة عن الامم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، من “هيومن رايتس ووتش” إلى “العفو الدولية”، والتي تصف ممارسات إسرائيل بالمجازر الجماعية وجرائم ضد الإنسانية والابادة، لم يُصدر أي قرار فاعل أو ملزم ضد تل أبيب.

المقارنة مع روسيا تكشف حجم الازدواجية. في الحالة الأوكرانية، تحرّك الغرب بسرعة: عقوبات، دعم عسكري، تعبئة إعلامية، ومحاكمة دولية لبوتين. أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، تُعطَّل القوانين، وتُبرر الانتهاكات، ويُسكت الأصوات الناقدة بتهم “معاداة السامية” و”التحريض”.

حتى في مؤسسات الإعلام “الليبرالية”، التي تدّعي الموضوعية، تُفرض رقابة ذاتية. يتم تجاهل صور الدمار في غزة، ويُقلّص الحديث عن انتهاكات إسرائيل إلى مجرد “ردود فعل”، بينما يُضخّم أي تحرّك مضاد لها وكأنه بداية لحرب عالمية.

لماذا هذه الازدواجية؟ لأن النظام العالمي لا يُدار بمنطق العدالة، بل بمنطق القوة. والمحكمة الدولية، التي وُلدت نظريًا من رحم القانون، تحوّلت إلى أداة سياسية في يد الأقوياء، يُستخدم قضاؤها فقط ضد من لا يملك الحصانة الغربية.

الخلاصة أن الحرب لم تعد تُكسب فقط بالسلاح، بل بالسرد. ومن يملك السرد، يملك الشرعية، حتى لو كان هو المعتدي. وفي هذا الزمن، لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل في عقول الناس، وفي نشرات الأخبار، وفي القصص التي تُروى للعالم.

وما لم تمتلك الدول العربية والضعيفة أدوات إعلامها، وصوتها المستقل، وتُصارع على جبهة السرد بقدر ما تصارع على الأرض، فستظل تُحاكم على كل رد، بينما يُكافأ المعتدي بكل سلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى