فورين بوليسي: هل يمكن أن تحل الصين محل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية؟
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت مجلة فورين بوليسي الأميركية إن المساعدات التنموية الدولية تشهد تحولات جذرية في أعقاب السياسات التي اتبعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، مشيرة إلى أن الإدارة الحالية عملت على تفكيك الوكالة بشكل منهجي، ما أثار تساؤلات واسعة في الدوائر الدولية حول إمكانية أن تملأ الصين هذا الفراغ المتنامي في بنية المساعدات التنموية العالمية.
وأوضحت المجلة أن الولايات المتحدة كانت تقدم مساعدات سنوية تتجاوز 60 مليار دولار قبل مجيء ترامب، بينما لا يتجاوز حجم المساعدات الصينية اليوم ما بين 5 إلى 8 مليارات دولار سنويًا، مما يترك فجوة ضخمة تبلغ أكثر من 50 مليار دولار سنويًا. وأشارت إلى أن الصين، رغم توسعها في بعض البرامج والمبادرات، لم تُبدِ حتى الآن استعدادًا واضحًا أو رغبة صريحة في تكرار النموذج الأميركي الواسع في تقديم المساعدات التنموية على النطاق العالمي.
معارضة داخلية تحد من طموح بكين
وأضافت فورين بوليسي أن واحدة من أبرز العوائق التي تمنع الصين من التوسع في المساعدات الخارجية هي المعارضة الداخلية القوية من داخل الحزب الشيوعي الصيني ومن الرأي العام، موضحة أن النخبة السياسية والشعب الصيني على حد سواء لا ينظرون بعين الرضا إلى فكرة إنفاق الأموال على الخارج في ظل وجود تحديات اقتصادية واجتماعية محلية.
وأشارت المجلة إلى أن هذا الرفض يعكس قناعة راسخة لدى النخبة الحاكمة في بكين بأن الصين لا تزال “دولة نامية” ويجب أن تركز مواردها على الداخل، لا الخارج. كما لفتت إلى أن الخطاب السياسي الصيني يعتبر التنمية المحلية أولوية مطلقة في المرحلة الحالية.
اقتصاد محدود الدخل وواقع اجتماعي ضاغط
وقالت فورين بوليسي إن التحدي الاقتصادي يمثل عاملاً حاسماً في رسم حدود الدور الصيني في المساعدات الخارجية، موضحة أن دخل الفرد في الصين لا يتجاوز السُبع مقارنة بنظيره الأميركي، وأن الرئيس شي جين بينغ يضع ضمن أولوياته القضاء على الفقر داخل البلاد وتحقيق ما يعرف بـ”الازدهار المشترك”، وهو ما يحدّ من قدرة الصين على التوسع في الالتزامات الدولية.
خطاب أيديولوجي مختلف: “تعاون لا إعانات”
وتابعت المجلة أن الصين ترفض أن تصف نفسها بـ”المانح”، وتفضل بدلاً من ذلك استخدام مصطلحات مثل “التعاون جنوب–جنوب”، وهي مفاهيم ترتبط برؤية أيديولوجية مختلفة عن النموذج الأميركي، القائم على تقديم مساعدات أحادية الجانب. وقالت المجلة إن بكين ترى أن نموذج المساعدات التقليدية يعيد إنتاج التبعية السلبية، وتفضّل خطاب “التجارة لا المعونات” كأساس للتعامل مع الدول النامية.
أدوات مختلفة… وأولويات مغايرة
وأوضحت فورين بوليسي أن بكين، عوضًا عن تقديم المساعدات التنموية المباشرة كما تفعل USAID، تستخدم أدوات تمويلية وتجارية مختلفة، من أبرزها تمويل التجارة والائتمان التصديري من خلال بنك التصدير والاستيراد الصيني ومؤسسات أخرى. وقد بلغ حجم هذه القروض أكثر من 134 مليار دولار في عام 2024، لكنها، بحسب المجلة، تحمل طابعًا تجاريًا أكثر من كونها مساعدات تنموية.
وأضافت أن هذه القروض، رغم ضخامتها، لا يمكن أن تحل محل البرامج الاجتماعية والإنسانية الأميركية التقليدية، مثل مكافحة الإيدز أو تمويل التعليم والمياه والصحة، بل تتركز أساسًا على مشاريع البنية التحتية التي تخدم المصالح الاستراتيجية الصينية أولاً.
تدخلات محدودة وذات طابع رمزي
وأكدت المجلة أن الحالات الأخيرة التي تدخلت فيها الصين لملء الفراغ الذي خلفه التراجع الأميركي توضح محدودية هذا التوجه. ففي كمبوديا، قدمت الصين دعمًا بقيمة 4.4 ملايين دولار لإزالة الألغام، وهو مبلغ رمزي مقارنة بالدعم الأميركي السابق. وفي نيبال، أطلقت بكين وعودًا دون التزامات ملموسة أو جداول زمنية واضحة.
أما في إفريقيا، فقد خصصت الصين 4 ملايين دولار فقط لدعم مراكز السيطرة على الأمراض، بعد أن كانت واشنطن قد موّلت هذه البرامج بمئات الملايين سابقًا. واعتبرت فورين بوليسي أن هذه التدخلات أقرب إلى كونها مبادرات إعلامية وفرص سياسية، أكثر من كونها استراتيجية تنموية متكاملة.
الصين ليست بديلاً حقيقيًا
وخَلُصت فورين بوليسي إلى أن الصين، رغم قوتها الاقتصادية ونفوذها المتصاعد، لا تُبدي رغبة أو قدرة على تعويض الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بشكل كامل. فهي تركز على مصالحها الاستراتيجية المحددة، وتفتقر إلى البنية السياسية والأيديولوجية التي تسمح لها بتبنّي نهج إنساني شامل كما فعلت الولايات المتحدة لعقود.
ورأت المجلة أن المفارقة تكمن في أن فلسفة الصين في المساعدات تتقاطع أيديولوجيًا مع خطاب إدارة ترامب، الذي فضل هو الآخر التجارة على المعونات. كلا الطرفين يروّج لفكرة العلاقات التجارية المتكافئة بدلًا من نماذج المساعدات غير المشروطة.
وأكدت فورين بوليسي أن الحديث عن “استنساخ النموذج الأميركي” في الصين ليس دقيقًا من الناحية التحليلية، معتبرة أن ما يجري فعليًا هو توسع صيني براغماتي وانتقائي يخدم مصالح محددة، دون السعي إلى ملء الفجوة الكاملة التي خلّفها التراجع الأميركي.
واختتمت المجلة بالقول إن هذا التوجه يهدد بإحداث فجوة حقيقية في المساعدات التنموية التقليدية، خاصة في القطاعات الاجتماعية والصحية، ما قد ينعكس سلبًا على خطط التنمية المستدامة في عشرات الدول النامية التي لطالما اعتمدت على التمويل الأميركي.