
لم يكن إعلان الأمم المتحدة عن تفشي المجاعة رسميًا في قطاع غزة مجرّد توصيف إنساني لحالة كارثية مستمرة، بل كان بمثابة صفارة إنذار متأخرة ومربكة، تُدين الفعل وتفضح الصمت، وتكشف أن العالم – بكل ما يمتلك من مؤسسات وقوانين وإنذارات مبكرة – عجز عن وقف المجزرة، أو ربما اختار التواطؤ بالصمت.
في مشهد نادر، وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، المجاعة بأنها “من صنع الإنسان”، وأشار إلى أنها “لا يجب أن تمر دون محاسبة”. هذه العبارات، غير المسبوقة في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تضع المسؤولية مباشرة في يد إسرائيل، التي تحاصر غزة منذ أكثر من 17 عامًا، وتحرم سكانها من أبسط مقومات الحياة منذ اندلاع الحرب الأخيرة قبل نحو عامين.
لكن ما لا يمكن تجاوزه أيضًا، هو أن المجتمع الدولي – وفي مقدمته واشنطن والعواصم الغربية – يتحمل مسؤولية جسيمة في الوصول إلى هذا المستوى من الانهيار الإنساني. فالصمت المطبق، ثم التصريحات الخجولة، وأخيرًا الإقرار المتأخر بوجود مجاعة، كلّها عوامل تشي بأن الغرب لم يتأخر فقط في تسمية الجريمة، بل ربما ساهم ضمنيًا في شرعنتها.
لقد استغرقت الأمم المتحدة أكثر من 10 أشهر من التقارير والتحذيرات والدماء والأشلاء حتى تنطق بكلمة “مجاعة”. وفي تلك الأشهر، كانت الإدانات العربية محصورة في عبارات “القلق العميق” و”الشجب والاستنكار”، دون أي تحرك حقيقي يرقى إلى حجم الجريمة.
أما الدول الغربية، التي لم تتوقف عن التشدّق بمبادئ “حقوق الإنسان” و”سيادة القانون” و”النظام العالمي القائم على القواعد”، فقد قدمت – ولا تزال – دعمًا سياسيًا وعسكريًا لإسرائيل، في مقابل شيكات فارغة من المبادئ حين يتعلق الأمر بفلسطين.
يضع هذا الإعلان الأممي العالم أمام اختبار قانوني وأخلاقي حاسم: هل تتحول هذه الإدانة إلى محاسبة حقيقية، أم تبقى ضمن أرشيف التصريحات الرمزية؟
في المقابل، فإن الافلات من العقاب هذه المرة لا يعني فقط هزيمة العدالة، بل يشكّل ضربة قاصمة لما تبقى من مصداقية القانون الدولي. فكيف يمكن تفسير صمت المجتمع الدولي أمام مجاعة “مصنوعة”، بينما تدّخل بكل ثقله لمعاقبة روسيا على ما وصفه بـ”جرائم الحرب” في أوكرانيا؟
لقد تم فرض عقوبات اقتصادية على موسكو، وتمت مقاطعتها دبلوماسيًا، وأُحيل ملفها إلى المحكمة الجنائية الدولية. في المقابل، ما زالت إسرائيل تتلقى الأسلحة والمساعدات، وترحب بها العواصم الأوروبية كحليف طبيعي في “الديمقراطية” الغربية.
هل المطلوب من الفلسطينيين أن يكونوا أوروبيين حتى يُعامَلوا كبشر؟ أم أن القانون الدولي انتقائي إلى هذا الحد، يخضع للون وجواز السفر ومصالح القوى الكبرى؟
رغم أهمية إعلان المجاعة، إلا أن الشكوك حول جدواه العملية أكثر من مبررة. فالتاريخ حافل بإعلانات أممية قوية انتهت إلى لا شيء، خصوصًا حين تصطدم بفيتو أمريكي أو بميزان قوى يختزل العدالة في المصالح.
والخشية الأكبر أن يتحول هذا الإعلان إلى مجرد “تسجيل موقف”، لا يوقف حربًا ولا يُدخل مساعدات، ولا يفرض محاسبة، ولا يُوقف المجازر اليومية.
في المحصلة، ما يحدث في غزة اليوم هو ليس فقط إبادة جماعية بالمعنى العسكري، بل أيضًا انهيار لكل ما صدّرته الإنسانية من قيم وقوانين منذ الحرب العالمية الثانية.
إذا لم يتحرك العالم – لا سيما الغرب والدول العربية – لفرض عقوبات، أو على الأقل مقاطعة حقيقية، فإن ما تبقى من القانون الدولي سيتحول إلى وهمٍ أخلاقي، لا يصلح إلا للاستخدام الانتقائي.
ربما لا نطلب من المجتمع الدولي أن يهبّ لإنقاذ غزة كما فعل مع أوكرانيا، ولكن على الأقل، أن يُعامل الفلسطينيين بنصف ما أعطى لأصدقائه الأوروبيين، وأن يُحمّل إسرائيل ما حُمّل لروسيا.فإما أن تكون العدالة شاملة، أو لا تكون.