واشنطن بوست: مع بقاء ستة يهود فقط في سوريا.. المهاجرون اليهود يرون فرصة للعودة بعد سقوط الأسد
من سعيد جوهر
واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة واشنطن بوست الأميركية إن سقوط نظام بشار الأسد وتخفيف العقوبات الغربية عن سوريا فتحا الباب أمام أحفاد الجالية اليهودية السورية لإعادة التواصل مع جذورهم التاريخية، بعد أن انقطعت الصلات لعقود نتيجة القمع والعداء الرسمي تجاههم.
وأضافت الصحيفة أن عدد اليهود في سوريا تقلّص إلى ستة فقط، جميعهم يعيشون في العاصمة دمشق، مشيرة إلى أن هذه الفسحة السياسية الجديدة قد تمنح من تبقى من أبناء الجالية فرصة لزيارة مواقعهم الدينية المهدّمة، واستكشاف تاريخهم العريق في البلاد التي عاشوا فيها لأكثر من ألف عام.
يوم غادر سوريا… ويوم عاد
ونقلت الصحيفة عن هنري حمرا، وهو أحد أبناء الجالية اليهودية السورية الذين غادروا البلاد قبل عقود، قوله إنه لا ينسى اليوم الذي سُمح له فيه بالمغادرة. وأشارت الصحيفة إلى أن عمّ حمرا، وكان حينها الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية في سوريا، استُدعي للقاء الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، الذي أبلغه بأنه يمكنه السفر إلى أي مكان في العالم “عدا إسرائيل”.
وأضافت الصحيفة أن قرار الأسد برفع حظر السفر المفروض على اليهود السوريين مهد الطريق لمغادرة آلاف الأشخاص في أوائل التسعينيات، من بينهم عائلة حمرا التي استقرت لاحقًا في بروكلين، نيويورك.
وذكرت الصحيفة أن حمرا، الذي كان في سن الخامسة عشرة عند مغادرته، عاد إلى دمشق بعد 33 عامًا من الغياب، برفقة والده الحاخام يوسف حمرا، في زيارة وصفها بأنها كانت “عاطفية ومؤثرة للغاية”، خاصة حين تسلل ليلاً إلى الحي الذي وُلد فيه في جوار الكنيس اليهودي في حي جوبر شرق دمشق.
كنيس جوبر المهدّم ومساعي الترميم
وقالت واشنطن بوست إن الفرحة بالعودة سرعان ما خبت عندما اكتشف حمرا ووالده أن كنيس جوبر الشهير قد دُمّر بالكامل، ولم يتبق منه سوى بعض الجدران المتداعية وقوس حجري نُقشت عليه نجمة داوود. ونقلت الصحيفة عن حمرا قوله:”لقد هُدم بالكامل… لا يوجد أي أثر يهودي في المكان”.
وأضافت الصحيفة أن حمرا بدأ منذ تلك الزيارة بحشد جهود لإعادة بناء الكنيس، بما في ذلك التواصل مع وزارة الخارجية الأميركية للمطالبة بإعفاء الموقع الديني من عقوبات “قانون قيصر”، الذي يحظر التمويل الأجنبي لإعادة الإعمار في سوريا. وأوضحت الصحيفة أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب منح في مايو/أيار الماضي إعفاءً مؤقتًا لمدة 180 يومًا، ما أعطى دفعة لهذه المبادرة.
ووفقًا للتقرير، فإن إلغاء قانون قيصر بالكامل لا يزال مطروحًا للنقاش داخل الكونغرس الأميركي.
مجتمع يحتضر
وفي سياق آخر، نقلت الصحيفة عن بخور شمنطوب، رئيس الطائفة اليهودية المتبقية في سوريا، والبالغ من العمر 75 عامًا، قوله إن المجتمع اليهودي الذي كان في السابق يعج بالتجار والعلماء والسياسيين، لم يعد يتجاوز اليوم ستة أفراد فقط – أربعة رجال وامرأتان – معظمهم في سن الثمانين والتسعين.
وأشارت واشنطن بوست إلى أن اليهود السوريين، رغم العقود الطويلة من القيود والعداء الرسمي، حافظوا على وجود رمزي، خاصة في دمشق وحلب والقامشلي، حيث عاش اليهود الأكراد. وأضافت الصحيفة أن الجالية اليهودية لعبت تاريخيًا دورًا بارزًا في الحياة العامة، وأدارت مدارس ومستشفيات ودور أيتام، كما كان كنيس حلب يضم واحدة من أقدم نسخ التوراة، المعروفة بـ”مخطوطة حلب”.
وقالت الصحيفة إن العداء تجاه اليهود السوريين تصاعد بعد تأسيس إسرائيل عام 1948، لا سيما بعد الحروب العربية الإسرائيلية، مشيرة إلى أن الكنيس الذي كان جد حمرا لأمه يخدم فيه تعرّض للقصف عام 1949.
وذكرت الصحيفة أن الحكومة السورية آنذاك لم تحمِ الجالية من الهجمات الشعبية، بل فرضت عليها قيودًا صارمة شملت حظر التنقل والسفر، ومراقبة المراسلات، وحظر تدريس اللغة العبرية.
الهجرة والانقطاع.. ثم الحلم بالعودة
وقالت واشنطن بوست إن نقطة التحول الرئيسية جاءت في عام 1992، حين رفع حافظ الأسد الحظر على السفر، ما سمح لـ4500 يهودي بمغادرة سوريا، في موجة هجرة جماعية قلّصت عدد أفراد الجالية إلى العشرات، ثم إلى ما دون 15 شخصًا مع اندلاع الحرب الأهلية عام 2011.
ونقلت الصحيفة عن جيسون غوبرمان، المدير التنفيذي للاتحاد الأميركي لليهود السفارديم، قوله إن اليهود السوريين الذين استقروا في الولايات المتحدة واجهوا صعوبات في التأقلم، لكن دعم الجاليات المهاجرة السابقة ساعدهم على الاستقرار، مشيرًا إلى أن البعض استقر أيضًا في المكسيك.
وفي مشهد تعبيري عن ارتباط الجالية المهاجرة بجذورها، نقلت الصحيفة عن الشاب ديفيد لونا، وهو أميركي من أصول سورية، قوله إن والدته لا تزال تطهو أطباقًا شامية تقليدية كل يوم سبت، مضيفًا:”بالنسبة لنا، السبت هو غداء عائلي مليء بأنواع الكبة”.
تحديات قائمة رغم التغيير
وذكرت واشنطن بوست أن الجالية اليهودية، رغم إشارات الانفتاح من الحكومة السورية الجديدة، لا تزال تواجه تحديات، مشيرة إلى نبش قبر الحاخام حاييم بن جوزيف فيتال في أبريل/نيسان الماضي، في حادثة أثارت استياءً واسعًا، وتعهدت السلطات بالتحقيق فيها.
وأشارت الصحيفة إلى أن السلطات السورية منعت مستوطنين من الاستيلاء على منازل اليهود المهجورة، عقب شكوى من شمنطوب، لكن بعض العقارات لا تزال محتلة. وقال حمرا إن منزل عائلته في دمشق أحد هذه الأملاك المصادرة.
وختمت الصحيفة تقريرها بنقل مشاعر حمرا، الذي عبّر عن أمله في أن تكون زيارته بداية لمسار طويل من المصالحة مع ماضي سوريا المتعدد الطوائف. وقال:”كنت أحلم بهذا اليوم. أن أعود إلى منزلي، أن أزور مدرستي وكنيسي. لقد تحقق الحلم أخيرًا”.
