صحف

“هآرتس”: ليس هكذا يبنون دولة: خطاب عباس عبر عن عجز وغياب استراتيجية

يورابيا ـ تل ابيب ـ كتب جاكي خوري في “هآرتس” أنه في تشرين الثاني/نوفمبر 1974 سمع العالم للمرة الأولى صوت فلسطين من فم فلسطيني، رئيس م. ت. ف في حينه ياسر عرفات، الذي وقف أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة وقال: “جئت إليكم، سيدي الرئيس، وأنا أحمل بندقية الثائر بيد وباليد الأخرى أحمل غصن زيتون”. وأضاف: “لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي، لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي”، هذه الجملة حفرت في الوعي الوطني الفلسطيني والعالم صفق لها.
لقد مرت 44 سنة على ذلك، وإذا درسنا كل الشعارات والأحداث الكثيرة التي وقعت منذ ذلك الحين فيتبين أن الفلسطيني ما زال موجودا في نفس الموقع ونفس المكانة: بدون دولة وبدون حق لتقرير المصير، بانتظار التدخل الدولي.
خطاب عباس (الخميس) في الجمعية العمومية كان تعبيرا واضحا عن العجز وعن غياب الاستراتيجية. خلافا لعرفات الذي حافظ دائما على الأرانب في قبعته، للأفضل أو للاسوا، تنازل عباس منذ فترة عن خيار البندقية أو عن التهديد بالفوضى. حسب رأيه، البندقية لن تحقق شيئا في الظروف الراهنة سوى الدمار وسفك الدماء. وهو يواصل التلويح بغصن الزيتون ويشرح المرة تلو الأخرى بأنه ضد العنف والإرهاب، وأنه مع المفاوضات الموضوعية التي تؤدي إلى سلام وحل الدولتين في حدود 1967.
إن من سمع وتابع خطابات عباس في السنة الأخيرة يكتشف بوضوح أنه في خطاب أمس لا توجد أمور جديدة ولا توجد مفاجآت. أيضا الحديث عن قانون القومية لم يأت بجديد، وعباس اظهر أكثر من مرة عدم ثقته بالإدارة الأمريكية الحالية برئاسة ترامب. كما أن مقولة الرئيس الأمريكي بشأن الدولتين لم تحظ برد مباشر.
في سلة الأدوات القليلة التي بحوزته يحتفظ عباس بقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، التي ذكرها أيضا في خطابه. من ناحية أبو مازن فان تنفيذ القرارات – التي معناها إلغاء اتفاقات أوسلو والاعتراف المتبادل – يقف على جدول الأعمال. ولكنه هو ومن يحيطون به يدركون أن هذا التهديد تقلصت أهميته وهو لا يحدث أي انطباع على قادة المجتمع الدولي. وإذا كان هذا لا يكفي، فإن وضع عباس ليس رائعا في الساحة الداخلية الفلسطينية: أي، محادثات المصالحة الأخيرة وصلت إلى طريق مسدود، وبدلا من إظهار جبهة واحدة (على الأقل في الساحة الدولية) ينشغلون في حماس وفتح مؤخرا في تبادل اللكمات والاتهامات. ليس هكذا يبنون دولة.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو التقط جيدا هذا العجز وغياب الاستراتيجية. المسألة الفلسطينية اختفت تماما تقريبا من الأجندة في خطابه أمس، والرئيس الفلسطيني لم يتخذ أي موقف أو خطوات كان يمكنها إجبار نتنياهو على إدخال تعديل على خطابه، والتطرق لهذا الأمر باهتمام. من ناحية رئيس الحكومة فان إسرائيل تسيطر على الفلسطينيين بيد قوية سواء في الضفة أو في القطاع. أحداث الجدار وحتى مواجهة أخرى مع حماس لن تغير قواعد اللعب. وفعليا لا يوجد هناك أي رافعة ضغط محتملة هامة يمكن أن تقود إلى تغيير في سياسة إسرائيل.
الزيادة الديمغرافية للفلسطينيين، يتبين، لا تشكل عاملا في نظام اتخاذ القرارات في إسرائيل بقيادة نتنياهو. الوسائل التكنولوجية والتفوق الكبير في كل المجالات لإسرائيل على الفلسطينيين ستمكنها من السيطرة عليهم لأجيال، وليضرب أحفاد الأحفاد رؤوسهم بالحائط.
من ناحية نتنياهو فان عباس ومن سيأتي بعده يمكنهم العودة إلى الجمعية العمومية المرة تلو الأخرى والتلويح بمطالبتهم بدولة. مع الإدارة الأمريكية واللامبالاة الدولية من جهة، والسذاجة المعتادة للعالم العربي من جهة أخرى، لا يوجد لإسرائيل ما تخاف منه. عباس ظهر أمس متعبا، لقد سعل طوال الخطاب وتحدث بصورة ثقيلة. للأسف الشديد، وضعه الصحي يعبر عن وضعه السياسي.
غصن الزيتون الذي رفعه عرفات قبله، والذي يمسك به أبو مازن منذ 14 سنة، يمكن أن يتعفن ويتفتت، ولن يتأثر أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى