نهاية ضبابية لاستراتيجية أمريكية يعكس انتهاء “الخلافة” نجاحها
يورابيا ـ واشنطن ـ بإمكان وزارة الدفاع الأمريكية التحدث اليوم عن لحظة تاريخية في المعركة التي تخوضها منذ سنوات ضد الارهابيين بعد الإعلان عن زوال “خلافة” تنظيم داعش جغرافيا.
ومن منظور عسكري على الأقل، بإمكان الولايات المتحدة الحديث عن نجاح استراتيجيتها بالعمل “عبر ومع ومن خلال” قوات تحارب بالوكالة إذ تحملت فصائل كردية في سوريا وقوات الأمن في العراق وطأة القتال والخسائر البشرية.
لكن لا يزال لدى تنظيم داعش آلاف المقاتلين المتمرسين في عدة دول في وقت تطرح تساؤلات إن كان من الممكن تحويل الهزيمة التي تعرضت لها الجماعة المتطرفة على الأرض إلى هزيمة دائمة وإن كان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب معظم قوات بلاده من سوريا سابق لأوانه ويحمل خطر تخريب لعبة النهاية.
وقال قائد القوات الخاصة الأمريكية الجنرال ريموند توماس للنواب الأمريكيين مؤخرا “لا يمكنني استخدام عبارة ‘الفوز’ دون تردد الهدف هو التمكن من المحافظة على قدرات ثابتة حتى لا ينشأ عن ذلك تهديد خارجي في المستقبل”.
ولدى سؤاله بشأن إن كانت الولايات المتحدة وصلت بالفعل إلى هذه المرحلة، قال توماس “لا أعتقد أننا وصلنا إلى ذلك بعد”. وستتضاءل قدرة واشنطن في التأثير على الأمور بعد سحب وزارة الدفاع (بنتاغون) معظم عناصر القوات الخاصة الأمريكيين من سوريا والبالغ عددهم 2000 عنصر كانوا يساعدون قوات سوريا الديموقراطية التي يشكل الأكراد معظم قوامها.
ولدى إعلانه قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا في كانون الأول/ديسمبر، أكد ترامب الانتصار على تنظيم داعش مشيرا إلى أن واشنطن “هزمت” تنظيم داعش “بشدة”.
لكن الخبير في “معهد الحرب الحديثة” في ويست بوينت جون سبينسر شدد على أن الأمور ليست بهذه البساطة.
وقال لوكالة فرانس برس إن تنظيم داعش “منظمة إرهابية، كل ما عليهم فعله هو إلقاء أسلحتهم ومحاولة الذوبان وسط السكان والفرار فحسب”.
وأضاف “لم ينتهوا ولن ينتهوا” بهذه البساطة.
بدأت في عهد أوباما
بدأت مهمة التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أواخر العام 2014 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، بعدما سيطر مقاتلو تنظيم داعش على مناطق في سوريا والعراق تساوي بريطانيا في مساحتها.
وفي مسعى لـ”إضعاف (المتطرفين) وصولا إلى هزيمتهم”، شكلت الولايات المتحدة تحالفا بات يضم أكثر من 70 دولة بدأ بقصف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في 2014.
ومنذ ذلك الحين، نفذ التحالف 34 ألف ضربة جوية في سوريا والعراق.
وبدلا من إرسال عدد كبير من الجنود، أرفق التحالف عملياته الجوية بتدريب القوات المحلية وتقديم الاستشارة لها.
ونتج هذا القرار جزئيا عن تجربة حرب العراق التي شهدت مقتل أكثر من 4400 جندي أمريكي.
ولم يرغب الشعب الأمريكي الذي يخشى من أي عمليات نشر جديدة لجنود الولايات المتحدة بأن يرسل أوباما مزيدا من القوات القتالية إلى الخارج.
وأثمرت الاستراتيجية سريعا في العراق، حيث تحول الجيش الوطني الذي كان على وشك الانهيار في وجه تقدم تنظيم داعش إلى جيش تمكن من إخراج الارهابيين من مدينة تلو الأخرى حتى استعاد الموصل، معقل التنظيم، في 2017.
وعندما وصل ترامب إلى السلطة، تابع بصورة جوهرية استراتيجية أوباما، رغم تصريحاته الأكثر تشددا وتخفيف القيود على الضربات الجوية.
وقال دانيال بايمان من “مركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز” لفرانس برس “بالمجمل، كانت الاستراتيجية الأمريكية فعالة في مواجهة تنظيم داعش”.
لكنه أشار إلى أنها لم تحل مشكلة الحكم في سوريا، حيث ساهمت الحرب الأهلية في نضوج الظروف التي سمحت ببروز تنظيم داعش في الأساس.
وأوضح بايمان “لذلك، لا يزال تنظيم داعش ناشطا كحركة تمرد مع (ارتكابه) مئات عمليات القتل هذا الشهر وحده”.
وكانت حصيلة الضحايا في صفوف القوات المحلية المدعومة من واشنطن كبيرة إذ قتل آلاف المسلحين السوريين والعراقيين.
“مرفوض”
ودفع قرار ترامب بالانسحاب من سوريا شركاء واشنطن الأكراد للسعي للحصول على ضمانات إذ يأملون بإنشاء “منطقة آمنة” في الشمال تشكل غطاء لهم.
ويجعل الانسحاب الأمريكي المقاتلين الأكراد أكثر عرضة إلى هجوم من قبل تركيا المجاورة التي تعتبرهم “إرهابيين” ويحبط حلمهم في الحكم الذاتي.
بدورها، حذرت “مجموعة صوفان” للدراسات التي تجمع تقييمات أمنية وتتخذ من نيويورك مقرا لها من ادعاء هزيمة تنظيم داعش.
وأفادت المجموعة أن ذلك “سيتسبب بشعور واهم بالأمن مع إظهار أن الولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن الواقع على الأرض”.
وقال رئيس القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل إنه لا يمكن أن يغيب تنظيم داعش عن نظر الجيش.
وأفاد فوتيل الذي يستعد للتقاعد أنه “لا يمكن ضمان المكاسب التي حققها التحالف بصعوبة في أرض المعركة إلا عبر المحافظة على عملية يقظة ضد (تنظيم داعش) الذي بات متشظيا ولا يزال لديه قادة ومقاتلون ووسطاء يسهلون عمله وموارد وإيديولوجيا تغذي جهوده”.
وأضاف الجنرال أن ترامب لم يستشره بشأن الانسحاب من سوريا.
وحاول وزير الدفاع بالإنابة باتريك شاناهان إقناع الحلفاء المشككين بالمساعدة في تأمين سوريا.
لكن مصدرا حكوميا فرنسيا قال لفرانس برس إنه “من غير المطروح نشر قوات فرنسية على الأرض دون وجود الأمريكيين هناك”، مؤكدا أن ذلك “مرفوض”. (أ ف ب)