نبوءات نهاية العالم.. كيف تتحكم معتقدات دينية في سياسات أمريكا تجاه إيران وإسرائيل؟
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ جاء في تقرير لشبكة سي ان ان الأمريكية أن الصراع المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران لا يُقرأ فقط من خلال عدسات التحليل السياسي والعسكري، بل إنه قد يتغذى أيضًا على نبوءات دينية مترسّخة في وجدان شريحة من الإنجيليين البيض في الولايات المتحدة.
وأضافت الشبكة أن الباحثة الدينية التقدمية ديانا بتلر باس، التي نشأت في كنيسة إنجيلية بيضاء خلال سبعينيات القرن الماضي، تسترجع في تأملاتها مشاهد النبوءات التي تشبّعت بها طفولتها، من تحذيرات حول ظهور المسيح الدجال، إلى لوحات تصور يسوع وهو يقود جيوشًا من الملائكة في معركة هرمجدونية في الشرق الأوسط الحديث.
ونقلت الشبكة عن باس قولها إن تلك الرؤى، التي أرعبتها وأثارت حماسها في آن، كانت جزءًا من خطاب ديني ساد حينها وتَمثّل في كتب مثل كوكب الأرض العظيم الراحل، والتي دعت المسيحيين للاستعداد لـ”المحنة العظيمة” وعودة المسيح الظافرة إلى القدس.
ورغم أن باس لم تعد تؤمن بهذه النبوءات حرفيًا، فإنها ترى أن الغارات الأمريكية الأخيرة على منشآت نووية في إيران تعيد إحياء هذه السرديات في أوساط الإنجيليين البيض، الذين يعتبرون الرئيس الامريكي دونالد ترامب “المختار من الله” وإسرائيل “أمة الله المختارة”.
وقالت باس لـ “سي ان ان” إن العديد من هؤلاء المؤيدين يتجاهلون المخاطر الجيوسياسية الكبرى لهذا التصعيد، لأنهم يرون فيه علامة على اقتراب “نهاية الزمان”، أي تلك السلسلة من الكوارث التي، بحسب معتقداتهم، ستسبق المجيء الثاني للمسيح.
وأوضحت الشبكة أن التغطيات السياسية والعسكرية لقرار ترامب بشأن قصف إيران طغت على أبعاده الدينية، والتي قد لا تقل تأثيرًا عن سواها. وبحسب عدد من الباحثين، فإن رؤية ترامب وإسرائيل ليست مجرد حسابات جيوسياسية، بل تتداخل معها معتقدات دينية مصدرها نظريات لاهوتية تعود إلى القس الأنجلو-أيرلندي جون نيلسون داربي في القرن التاسع عشر، ومُعزّزة في العقود الأخيرة من خلال سلسلة كتب وأفلام مثل المتروكون.
وأشار المؤرخ جيمار تيسبي، مؤلف كتاب قصص روح العدالة، في تصريح لـ “سي ان ان”، إلى أن هذه الرؤى اللاهوتية ليست مجرد أفكار تجريدية، بل لها تداعيات حقيقية وخطيرة على السياسة الخارجية. وقال: “إن السماح للنبوءات الدينية بأن تؤثر على قرارات تتعلق بالحرب والسلام يُعد أمرًا بالغ الخطورة لدولة ديمقراطية متعددة الأديان كأميركا”.
وأكد تيسبي أن العديد من الإنجيليين يتبنون هذه الأفكار، حتى وإن لم يعرفوا تسميتها أو أصولها، مضيفًا أن الدعم المطلق لإسرائيل في هذا السياق الديني يحجب قضايا حقوق الإنسان والعدالة، ولا يترك مجالًا لمساءلة السياسة الإسرائيلية أو الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.
وتابعت الشبكة أن دعم ترامب لإسرائيل خلال ولايته الأولى – ومنها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس – عزّز شعبيته في أوساط الإنجيليين البيض، الذين يعتبرون أن قيام إسرائيل الحديثة هو تحقيق لنبوءات توراتية.
ونقلت سي ان ان عن القس الإنجيلي البارز جون هاجي، مؤسس منظمة “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل”، تأكيده أن دعم إسرائيل ليس خيارًا سياسيًا بل “واجب ديني”. وقال: “من غير الممكن أن تؤمن بالكتاب المقدس وألا تدعم إسرائيل”.
وفي ضوء التصعيد مع إيران، أظهر استطلاع أجرته الشبكة أن 87% من الجمهوريين يؤيدون قرارات ترامب العسكرية، ما يُبرز مدى التأثير الذي تحظى به معتقدات دينية في توجيه الرأي العام داخل القاعدة المحافظة.
وأشارت الشبكة إلى أن إنجيليين بارزين كفرانكلين غراهام وروبرت جيفريس اعتبروا أن دعم إسرائيل هو وقوف مع الله، وأن ترامب يمثل لحظة إلهية موعودة، في استحضار واضح للمفردات النبوئية.
وفي تعليق لباس، وصفت لاهوت “الاختطاف” – أي رفع المؤمنين إلى السماء قبل قيام الساعة – بأنه “بدعة لاهوتية ناجحة”، وقالت إنه يقدم تصورًا خطيرًا بأن الكوارث والحروب ليست سوى علامات على اقتراب الخلاص، مما يُضعف أي دافع إنساني للعمل من أجل السلام أو رعاية الأرض والفقراء.
وفي الختام، نقلت الشبكة عن تيسبي تحذيره من أن خلط الدين بالسياسة في هذه الصورة المطلقة يقود إلى أصولية لا تقبل النقاش أو التعديل، لأن القرار السياسي حينها يُصاغ وكأنه “أمر إلهي لا يُرد”. وهو يرى أن تحويل السياسة إلى ساحة لتحقيق نبوءات دينية أمر يشبه ما يُنتقد به خصوم أميركا من دول دينية كإيران، التي توجّه سياستها الخارجية بدافع معتقدات مهداوية كارثية.