أقلام يورابيا

من “وزارة الدفاع” إلى “وزارة الحرب”: قراءة في قرار ترامب المثير للجدل

جمال دملج

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصطلح “وزارة الحرب” إلى واجهة الخطاب السياسي الأميركي، بعدما وقّع أمرًا تنفيذيًا يتيح استخدامه إلى جانب الاسم الرسمي القائم “وزارة الدفاع”. القرار أثار صدمة واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، إذ بدا كأن واشنطن تسعى إلى إعادة إنتاج صورة أميركا بوصفها قوة هجومية صريحة، لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، بل تعلن نيتها فرض السلام بالقوة.

تاريخيًا، حملت الوزارة هذا الاسم منذ عام 1789 وحتى عام 1947، حين تم استبداله بوزارة الدفاع بعد الحرب العالمية الثانية في سياق محاولة بناء نظام دولي جديد يقوم على المؤسسات المتعددة الأطراف وردع الحروب الكبرى. لكن ترامب اعتبر أن التخلي عن مصطلح “الحرب” ترافق مع سلسلة من “الإخفاقات” العسكرية الأميركية منذ منتصف القرن العشرين.

البعد السياسي الداخلي

لا يملك ترامب الصلاحية الكاملة لتغيير الاسم رسميًا من دون موافقة الكونغرس، إلا أن الأمر التنفيذي سمح باعتماد التسمية الجديدة بصورة موازية. وهنا تتجلى الرسالة السياسية المزدوجة: من جهة، يخاطب ترامب قاعدته السياسية عبر إظهار الحزم والعودة إلى روح “المحارب”، ومن جهة أخرى يضغط على المؤسسة العسكرية لتبنّي خطاب هجومي يتجاوز الطابع الدفاعي.

خصوم ترامب من الحزب الديمقراطي وصفوا هذه الخطوة بأنها “لعبة سياسية باهظة الكلفة”، معتبرين أن الرئيس الجمهوري يسعى إلى تعزيز صورته عبر إحياء نزعة الحرب في زمن يحتاج إلى الدبلوماسية. كما أشاروا إلى التناقض بين هذا القرار ومساعي ترامب المتكررة للحصول على جائزة نوبل للسلام.

رسائل للخارج: القوة بدل الردع

خارج الولايات المتحدة، حمل القرار أبعادًا رمزية لا تقل أهمية. فإعادة اعتماد “وزارة الحرب” يتقاطع مع تحركات أميركية ميدانية أكثر هجومية: تعزيز الوجود العسكري في منطقة الكاريبي بذريعة مواجهة “عصابات المخدرات” المرتبطة بفنزويلا، شنّ ضربات محدودة ضد منشآت إيرانية، إضافة إلى تصعيد عمليات المراقبة البحرية.

البيت الأبيض برّر القرار بالقول إن “أميركا تريد أن تُحترم مجددًا”، وإن فرض السلام لا يتحقق إلا عبر استعراض القوة. لكن ذلك الخطاب يعيد إلى الأذهان ذهنية الحرب الباردة، حيث كان استعراض السلاح جزءًا من السياسة الخارجية، أكثر مما هو وسيلة لتحقيق الاستقرار الفعلي.

الكلفة الباهظة والتحديات المقبلة

تغيير اسم وزارة الدفاع إلى “وزارة الحرب” لن يكون مجرد إجراء رمزي، بل يحمل أيضًا أعباء مالية ضخمة، قد تتجاوز مليار دولار بحسب تقديرات إعلامية. وهو ما يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق في ظل أزمات اقتصادية داخلية متصاعدة. البنتاغون نفسه لم يحسم بعد حجم الكلفة بدقة، ما يفتح الباب أمام جدل جديد حول جدوى القرار.

دلالات استراتيجية

يبدو أن ترامب يسعى من خلال هذا التغيير إلى تكريس رؤية مفادها أن الولايات المتحدة لا يمكنها تحقيق النصر إلا إذا عادت إلى هويتها كقوة حرب صريحة. غير أن هذه المقاربة قد تنطوي على مخاطر كبيرة: إذ يمكن أن تقوّض صورة أميركا كحامٍ للنظام الدولي القائم على المؤسسات، وتدفع حلفاءها إلى إعادة حساباتهم في ظل صعود قوى منافسة كالصين وروسيا.

قد تبدو الأسماء مجرّد لافتات على أبواب المؤسسات، لكن التاريخ يعلّمنا أن الكلمات تحمل أرواحًا ومعاني، وأنها قادرة على إشعال الحروب أو إطفاءها. وبين “الدفاع” و”الحرب” مسافة شاسعة، تُقاس ليس بالسياسة وحدها، بل بمدى استعداد الإنسانية لأن تجعل من القوة سبيلًا للردع لا ذريعة للهيمنة.

إعلامي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى