السلايدر الرئيسي

من هو “رئيس الوزراء الغامض” في مذكرات فرجينيا جيوفري ضحية إبستين بالاستغلال الجنسي؟

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ أعاد نشر مذكرات فرجينيا روبرتس جيوفري، إحدى أبرز ضحايا شبكة جيفري إبستين للاستغلال الجنسي، فتح واحد من أكثر الملفات إثارة في العقدين الأخيرين، ملف العلاقات الخفية بين المال، السلطة، والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

ففي كتابها الذي صدر بعد وفاتها بعنوان “فتاة لا أحد: مذكرات عن البقاء والسعي إلى العدالة” (Nobody’s Girl)، كشفت جيوفري عن تفاصيل مروعة تعرضت خلالها للاغتصاب والضرب المبرح على يد رجل وصفته بأنه “رئيس وزراء معروف” دون أن تذكر اسمه صراحة، ما فجّر عاصفة تكهنات سياسية وإعلامية واسعة.

 من “عبدة جنس” إلى شاهد تاريخي

كتبت جيوفري:“خلال سنواتي مع إبستين، تمت إعارتي لعشرات الأثرياء ذوي النفوذ… كنت أتعرض للإذلال والاستغلال بشكل متكرر. وفي إحدى المرات، خنقني رئيس الوزراء حتى فقدت الوعي. كنت أتوسل إليه أن يتوقف، لكنه كان يضحك ويزداد وحشية.”

هذه المقاطع من المذكرات وضعت العالم أمام تساؤل صادم: من هو “رئيس الوزراء المعروف” الذي تشير إليه؟

في النسخة الأمريكية من الكتاب ورد الوصف بـ “well-known Prime Minister”، بينما استُبدل في النسخة البريطانية بعبارة “former minister”، وهو تغيير لافت فسّره مختصون بأنه إجراء قانوني وقائي لتجنّب دعاوى التشهير في المملكة المتحدة.

الاشتباه يطال إيهود باراك… دون دليل قضائي

أثارت المذكرات موجة تحقيقات في الصحافة البريطانية والأمريكية، وسرعان ما تركزت الأنظار على إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، الذي سبق أن أقرّ بعلاقاته التجارية والاجتماعية مع إبستين، لكنه نفى بشدة أي علاقة “غير لائقة” أو معرفة بجرائمه.

الحقائق المؤكدة حتى الآن:

  • التقى باراك جيفري إبستين عشرات المرات بين عامي 2013 و2017.

  • زاره في منزله بنيويورك وفي الجزيرة الخاصة بإبستين في الكاريبي.

  • أسس في 2015 شركة استثمارية بتمويل جزئي من إبستين، باسم Sum (E.B.) 2015 LP.

  • ظهرت صوره في وسائل الإعلام وهو يدخل أحد عقارات إبستين في مانهاتن.

لكن رغم هذه المؤشرات، لم تُفتح أي قضية قضائية رسمية ضد باراك حتى اليوم تتهمه بارتكاب جرائم جنسية أو المشاركة في الاتجار بالبشر.

 تحقيقات بلا نهاية

في عام 2019، دعا حزب الليكود الإسرائيلي إلى فتح تحقيق فوري في علاقات باراك بإبستين، خاصة بعد نشر تقارير عن رحلاته الخاصة معه. غير أن الشرطة الإسرائيلية لم تجد حينها “أسبابًا كافية للتحقيق”.

كما ذكرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن باراك اعترف بلقاء إبستين “عشرات المرات” لكنه أصرّ على أن تلك اللقاءات كانت لأغراض “استثمارية وبحثية”.

في المقابل، تقول بعض المنظمات الحقوقية إن تجنّب فتح تحقيق رسمي يعكس حساسية الملف سياسيًا ودبلوماسيًا، خصوصًا في ظل علاقات إسرائيل المتشعبة مع الولايات المتحدة وأوروبا، حيث لا يزال اسم إبستين يرعب النخب المالية والسياسية.

 لماذا لم تُذكر الأسماء في المذكرات؟

يرى خبراء النشر في لندن أن حذف الأسماء أو استبدالها كان شرطًا تعاقديًا من الناشر لتجنب دعاوى تشهير قد توقف إصدار الكتاب بالكامل، خاصة أن أي اتهام لرئيس وزراء حالي أو سابق من دون حكم قضائي نهائي يمكن أن يؤدي إلى إغلاق دار النشر وملاحقة قانونية.

ويشير محللون إلى أن الصيغة الملتبسة “رئيس وزراء معروف” قد تكون مقصودة لإرسال رسالة رمزية بأنّ القضية طالت أعلى مستويات السلطة في العالم، دون الدخول في صدام مباشر مع القانون.

الأمير أندرو يعود إلى الواجهة

لم تقتصر المذكرات على “رئيس الوزراء الغامض”، إذ عادت جيوفري إلى الحديث عن الأمير أندرو، شقيق الملك تشارلز الثالث، الذي اتهمته بالاعتداء عليها جنسيًا وهي في السابعة عشرة من عمرها.
الكتاب يكشف عن تفاصيل جديدة تقول فيها إن فريق أندرو “استأجر متصيدين إلكترونيين” لمضايقتها حين رفعت دعوى ضده في نيويورك، قبل أن يتوصل الطرفان إلى تسوية سرية.

هذه الفصول تضيف مزيدًا من الضغط على العائلة المالكة البريطانية، التي كانت تأمل أن تطوي صفحة فضيحة إبستين إلى الأبد.

أبعاد دولية خطيرة

يقول الخبير الأمريكي في شؤون العدالة الدولية مارك فيلدمان إن “مذكرات جيوفري ليست مجرد اعترافات شخصية، بل وثيقة سياسية وأخلاقية ستعيد فتح ملفات مدفونة في عدد من الدول التي استفاد قادتها من علاقات مع إبستين”.

أما في إسرائيل، فقد علّق الصحفي يوسي ميلمان بالقول إنّ “الاشتباه بباراك إن صحّ، سيشكل الزلزال السياسي الأكبر منذ تأسيس الدولة، لأنه سيكشف عن تداخل المال والسلطة والفساد الجنسي على أعلى المستويات”.

حتى اللحظة، تبقى المزاعم غير مثبتة قانونيًا، ولا يوجد ما يؤكد هوية “رئيس الوزراء” الذي ورد في المذكرات. لكن المؤكد هو أن الكتاب أعاد فتح جروح قديمة، وأعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا سوداوية في التاريخ المعاصر — قضية استغلال النفوذ والمال لإسكات الضحايا.

ومهما كانت هوية “رئيس الوزراء الغامض”، فإنّ صدى هذه المذكرات لن يتوقف عند حدود الأدب أو الإعلام؛ بل قد يُشعل تحقيقات جديدة تمتد من لندن إلى تل أبيب وواشنطن، وربما يفتح فصولًا غير متوقعة من شبكة إبستين التي لم تُغلق بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى