“مركز تقدّم للسياسات: حزب الله يناور بين الرئاستين ويُراهن على شق صفّ الحكم في لبنان

يورابيا ـ لندن ـ قال مركز تقدّم للسياسات، في ورقة تقدير موقف صدرت عقب زيارة وفد من حزب الله إلى قصر بعبدا، إن الحزب يبدو وكأنه يراهن على وجود تباين – حقيقي أو مفتعل – بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في مقاربة ملف سلاح المقاومة. واعتبر المركز أن هذه الزيارة “تحمل رسائل داخلية وإقليمية واضحة”، تأتي وسط ضغوط متصاعدة تطالب بوضع هذا السلاح تحت سلطة الدولة.
وأضاف المركز أن الزيارة، التي جرت في 26 أيار/مايو 2025، هي الأولى من نوعها منذ بدء الاستشارات النيابية وتكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة مطلع هذا العام، وتأتي بعد سلسلة أحداث سياسية وأمنية، من بينها اعتراض عناصر من الحزب آلية تابعة لـ”اليونيفيل” في الضاحية، وضبط السلطات السورية شحنة صواريخ كانت متجهة إلى الحزب.
وذكر المركز أن توقيت الزيارة جاء مباشرة بعد الانتخابات البلدية والاختيارية، والتي كرّست مجدداً هيمنة الحزب وحليفه حركة أمل داخل القاعدة الشيعية، في ما اعتبره المركز “رسالة داخلية موجهة إلى الدولة مفادها أن شرعية الحزب ما زالت راسخة شعبياً، وهو ما ينوي الحزب الاستثمار فيه خلال الانتخابات النيابية المقبلة”.
وأشار مركز تقدّم إلى أن زيارة الوفد، التي ترأسها النائب محمد رعد، جرت بعد أيام من الجولة الخامسة من المفاوضات الأميركية-الإيرانية في روما، وهو ما يعكس سعي الحزب للاستفادة من مناخ التهدئة الدولية وتفادي فتح ملف السلاح محلياً قبل اتضاح المآلات الإقليمية.
وأوضح المركز أن حزب الله حرص خلال اللقاء على توجيه إشارات إيجابية تجاه الرئيس جوزيف عون، حيث وصف رعد العلاقة معه بأنها “واسعة ويُعوّل عليها”، بينما امتنع عن التعليق على مواقف رئيس الحكومة نواف سلام التي شدد فيها على أن “زمن تصدير الثورة الإيرانية قد انتهى”، وأنه “لن يُسمح ببقاء أي سلاح خارج الدولة”، مكتفياً بالقول: “لن أعلق حفظاً لبقية ودّ”.
وأكد مركز تقدّم أن هذه المفارقة في التعاطي بين الرئاستين توحي بأن الحزب يسعى إلى إبراز ما يبدو أنه تمايز في المواقف داخل الدولة، رغم أن نص خطاب القسم للرئيس عون، والبيان الوزاري لحكومة سلام، يتضمنان صياغات متقاربة بشأن “سلاح المقاومة” و”حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة”.
ولفت المركز إلى أن الحزب سبق أن صوّت لصالح انتخاب جوزيف عون رئيساً، لكنه لم يدعم تكليف سلام، بل وصف القرار بأنه “طعنة في الظهر”، في إشارة إلى تعطيل صفقة كان يُفترض أن تُبقي نجيب ميقاتي في منصبه. واعتبر المركز أن الخلفية السياسية والتاريخية للعلاقة بين الحزب وسلام تشوبها توترات، خصوصاً مع تكرار ترشيحه من خارج المنظومة التقليدية ومواقفه المعروفة ضد هيمنة الحزب ووصاية طهران.
وأضاف المركز أن زيارة سلام إلى السعودية في مارس الماضي، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لم تمر دون تداعيات، مرجحاً أن تكون البرودة التي تطبع علاقة الحزب برئيس الحكومة مرتبطة بدعم الرياض له، لا سيما بعد رفضه دعم ترشيح كريم سعيّد لحاكمية مصرف لبنان، الذي كان خيار الرئيس عون المدعوم من الحزب.
ورأى مركز تقدّم أن الحزب، في خطابه الحالي، يستبقي الغموض حول مسألة تسليم السلاح، ولا يعطي إشارات واضحة بشأن المدى الزمني أو السياسي لأي تفاهم محتمل، بل يوظف تصريحات حذرة ومفتوحة على احتمالات متعددة. وأبرز المركز ما قاله رعد بعد اللقاء: “لا امتيازات للدولة دون واجبات، وعندما تتساوى يحصل التفاهم”، في ما اعتُبر تمهيداً لتفاوض مشروط، لا التزام واضح بتسليم السلاح.
وخلص المركز إلى أن:
-
حزب الله يتبع استراتيجية “إدارة التوازنات”، مستفيداً من العلاقات الجيدة مع الرئيس عون، ومُمارساً ضغوطاً ضمنية على سلام، ضمن حسابات إقليمية ومحلية.
-
الحزب لا يسعى حالياً إلى حسم ملف السلاح، بل يراهن على تحولات إقليمية قد تعيد ترتيب موازين القوى لصالحه.
-
الرسائل المتبادلة داخل الحكم، وإن بدت في إطار توزيع أدوار، قد تؤشر إلى خطر التوظيف السياسي الداخلي لموقف الدولة من السلاح، ما يضعف قدرة لبنان على بلورة موقف وطني موحد تجاه أحد أكثر الملفات حساسية.
-
دور السعودية ودول الخليج في دعم رئيس الحكومة قد يُقابل بمزيد من التصعيد السياسي أو التشويش الإعلامي من جانب الحزب، كلما لمس خطر تحول سلام إلى مركز ثقل داخلي مدعوم دولياً.
وختم مركز تقدّم تقدير الموقف بالتنبيه إلى أن “رهان حزب الله على وجود شقاق داخل السلطة، إن صحّ، لن يساهم في إنتاج حلّ متماسك لأزمة السلاح، بل سيعمّق الانقسام الداخلي، ويجعل لبنان أكثر عرضة لاهتزازات إقليمية في لحظة سياسية حرجة“.