مجلة ريسبونسبول ستيت كرافت: حملة دعائية مؤيدة لإسرائيل وخطاب معادٍ للفلسطينيين تستهدف الكنائس والجامعات المسيحية في الجنوب الغربي الأمريكي
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت مجلة «ريسبونسبول ستيت كرافت»، التابعة لمعهد كوينسي للسياسات المسؤولة، إن شركة ناشئة تحمل اسم “أظهر إيمانك من خلال الأعمال” بدأت حملة رقمية خفية وممولة بسخاء تستهدف الكنائس والجامعات المسيحية في ولايات الجنوب الغربي الأمريكي، بهدف نشر رسائل دعائية مؤيدة لإسرائيل دون علم تلك المؤسسات أو موافقتها، ما أثار مخاوف جادة بشأن الخصوصية والتدخل السياسي في الفضاء الديني داخل الولايات المتحدة.
استهداف دقيق عبر تتبّع المواقع خلال العبادة
وفقًا لوثائق الشركة المسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، تشمل الحملة استخدام تقنية تُعرف بـ«السياج الجغرافي» تقوم بتحديد مواقع الهواتف المحمولة أثناء دخولها إلى أماكن العبادة والجامعات خلال أوقات الصلاة والمحاضرات، ثم تتتبّع حضور الأشخاص لإعادة استهدافهم لاحقًا بإعلانات ومحتوى رقمي موالٍ لإسرائيل في ولايات كاليفورنيا وأريزونا ونيفادا وكولورادو.
عقد بملايين الدولارات وتمويل للقساوسة والمتحدثين
تبلغ قيمة العقد نحو 3.2 مليون دولار، ويتضمن بنودًا لتوظيف متحدثين مشاهير ودفع رواتب لبعض القساوسة الضيوف، خصوصًا ذوي الملاءمة الديموغرافية المستهدفة، لإنتاج رسائل ومحتوى يخدم أهداف الحملة وإعادة تشكيل مواقف جماهيرية داخل الكنائس.
الكنائس المستهدفة: لا علم لنا بالأمر
تواصلت «ريسبونسبول ستيت كرافت» مع مئات الكنائس المدرجة في ملفات الحملة، وأكدت الغالبية أنها لم تكن على علم بها. وقال المكتب الإعلامي لكنيسة بيت إيل في ريدينغ بولاية كاليفورنيا: «لم نكن على دراية بهذا، أنتم أول من أبلغنا».
مقطورة متنقلة ورسائل مشبعة بالتحامل
تشمل الحملة مقطورة يُطلقون عليها «متحف متنقل» تحتوي عرضًا بصريًا يبرز ما تصفه الشركة بـ«فظائع» هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر، إلى جانب لقطات لجنود إسرائيليين مع شروحات تُبرر صعوبة العمليات العسكرية في المناطق المدنية. وتهدف الدعوات المصاحبة إلى جذب المسيحيين لزيارة المعرض أو المشاركة في رحلات إلى إسرائيل.
من أداة تسويق إلى أداة تأثير سياسي
على الرغم من أن تقنية السياج الجغرافي تُستخدم تجاريًا منذ سنوات، فإن استخدامها هنا لحشد ودفع رسائل سياسية ودينية يثير اعتراضات خصوصية وأمنية. ووصفت خبيرة خصوصية أسلوب الاستهداف هذا بأنه «كابوس للخصوصية»، محذرة من أن سماسرة البيانات يجمعون معلومات من تطبيقات عديدة ثم يبيعونها لإعادة استهداف الأشخاص داخل أماكن حساسة كالكنائس.
غضب محلي وتحذيرات من تلاعب بالعقيدة
في كولورادو سبرينغز، اكتشف مواطن محلي أن سبع كنائس مُدرجة في قائمة الأهداف فبادر إلى تحذير القساوسة والصحف المحلية، ووزّع وثيقة اعتبر فيها أن الحملة تُعامل المسيحيين كأهداف للتلاعب السياسي، وليست دعوة للحوار. وأثار عرض الشركة الخاص بدفع رواتب للقساوسة مخاوف من تضارب مصالح يهدد استقلالية القيادة الدينية.
استهداف الشباب الديني ومحاولة استعادة التأييد
أعرب بعض المستهدفين عن اعتقادهم أن الحملة تسعى لاستعادة الدعم بين فئة الشباب المسيحي بعد تراجع التأييد لإسرائيل، عبر خطاب عاطفي وديني يربط الولاء السياسي بالممارسة الدينية.
خطاب معادٍ للفلسطينيين ضمن أدوات الحملة
تتضمن مواد الحملة نقاطًا دعائية تشدد على سردية مُصطنعة تُصوّر الفلسطينيين والإيرانيين كأعداء يسعون إلى إبادة، أي خطاب تعبوي يشيطن الآخر بدل خلق مساحة للحوار أو التفاهم.
كنيستي ليست منصة دعاية لدولة أجنبية
أعرب أفراد كنائس في تكساس وأريزونا عن الاشمئزاز والرفض لفكرة أن تصبح دور العبادة منصات لحملة دعائية أجنبية، مؤكدين أن الحرص على استقلالية المؤسسات الدينية وشفافيتها يقتضي كشف وإيقاف مثل هذه التدخلات.
إشراف حكومي إسرائيلي واضح
تشير الوثائق إلى إشراف وزارة الخارجية الإسرائيلية على جزء من هذه المبادرة، عبر مسؤولين يقودون مبادرات اتصال استراتيجي تهدف إلى تعزيز التأثير الإعلامي والسياسي لإسرائيل في الخارج، مع روابط لشخصيات سياسية وإعلامية أمريكية تعمل على دمج الرسائل في فضاءات رقمية وتقنية.
خطوات تنظيمية محدودة أمام الزحف الرقمي
بينما بدأت ولايات مثل أوريغون وماريلاند بمساءلة وفرض قيود على بيع بيانات المواقع الدقيقة، تظل شبكات سماسرة البيانات الواسعة وآلاف الشركات الصغيرة خارج نطاق رقابة فعالة، ما يتيح استمرار تداول بيانات أماكن العبادة من دون علم أو موافقة أصحابها.
منابر العبادة ليست ساحات حرب دعائية
تختتم «ريسبونسبول ستيت كرافت» بتحذير أن تحول الكنائس إلى أهداف لحملات تأثير أجنبية يعبث بجوهر العبادة ويضعها في قلب صراعات السياسة الخارجية، وأن الحفاظ على قدسية المساحات الدينية يمر عبر تشريعات حماية بيانات الموقع، وشفافية المصادر التمويلية، ورفض تحويل دور العبادة إلى أدوات تأثير دعائي. ونقلت المجلة عن قسّ رفض الكشف عن هويته قوله: «حين تُستغل الكنيسة كمنصة لمعركة رسائل بين الدول نفقد ما هو جوهري في دعوتنا».