أقلام يورابيا

مجلة الاحوال الشخصية في تونس

*ليلى العياري

يثار الان جدل كبير في تونس فيما يتعلق بمجلة الاحوال الشخصية .هناك من يدعي انها سبب تفكك الاسرة في تونس سالبة لحقوق الرجل المكبل بقوانين لصالح المرأة. المجلة التي بعثت بمقتضى الامر العلي المؤرخ في 13 أوت
1956 المنشور بالرائد الرسمي عدد 66 بتاريخ بتاريخ 17 أوت 1956 .
دخلت حيز التطبيق بداية من شهر جانفي .  أعطت مجلة الاحوال الشخصية مكانة مرموقة للمرأة في المجتمع التونسي، و ميزتها عن نظيراتها، في الوطن العربي.
في مجتمعات عربية أخرى تمكنت المرأة من الحصول في الحق في التعليم ،و جزء من الحرية، و لكنها لازالت تعاني من الطلاق ،برمي اليمين،و الطلاق الغيابي ،و ارجاعها دون علمها .
تطوّر الجدل حول قضيّة المرأة لا سيما مع عبد العزيز الثعالبي (1870-1944) والطاهر الحدّاد (1935) والحبيب بورقيبة ليشمل دور المرأة في بناء الوطن ومكانتها في المجتمع .نلاحظ هنا أن كلهم رجال .
صدور كتاب الطّاهر الحداد “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”
في تونس سنة 1956 :جائت مجلة الاحوال الشخصية لتنظم العلاقة بين الزوجين، و تحفظ حق الابناء في حال الانفصال .
كما منعت تعدد الزوجات،و الحق في اختيار الزوج، و الحق في تزويج نفسها، دون الحاجة إلى الوكيل، و لم تأت كل تلك التشريعات، من فراغ انما استندت على فتاوي و تشريعات، من شيوخ الزيتونة ،و علماء الفقه و الشريعة.
إذ طرحت الحركة الإصلاحيّة ، قضيّة تحرير المرأة، و دعت الى تعليمها.
 كان المجتمع ذكوري وقتها ،و كانت المرأة مستضعفة، فاقدة لحقوقها مضطهدة من العائلة، و الزوج .
و الدولة التونسية في بداية تأسيسها،و كان الجهل منتشر بين أفراد المجتمع التونسي .
شعب خارج من احتلال و حكم بايات لسنين طويلة كانت فيه المرأة مثل الجارية ،جعلت للفراش، و الإنجاب، و العمل في الأراضي الفلاحية.
العائلات البرجوازية في ذلك الوقت تمتعت بناتهم بالتعليم.كنوع من التباهي .أما في الزواج ،او الطلاق ليس لها الحق في القرار.
مجتمع كان يستعبد المرأة ،و يعتبرها كائن ناقص الحقوق،عليه واجبات فقط ، مبعوث لخدمة الرجل عليه السمع، و الطاعة، لا يشعر،لا يتالم ،لا يقرر.
في بعض الارياف كانوا يثبتون المحراث على ظهرها، و يستغلونها عوض الحمار، لحراثة الارض.
عانت من القهر، و الاضطهاد،سنين طويلة، ليس من حقها ابداء الرأي او اتخاذ القرار فهي مسيرة، و ليست مخيرة.
زمن ذكوري بامتياز.
الرجل في ذلك الوقت كان هيبة، و كبرياء، و قوة و سيطرة،و هذه كلها من علامات الرجولة، لم يقلقه حصول المراة،على حقوقها،بل العكس دعمها، و ساندها.
كان سندا ثابت تحتمي به من غدر الزمان .
لم يكتفي الرجل بقبول مجلة الاحوال الشخصية في ذلك الوقت فقط ، بل باركها ،و اكثر من ذلك دعمها،امام هجمات كبيرة من دول عربية اخرى.
دول قلقت طبعا كيف لدولة صغيرة مثل تونس تتقدم و تعطي حق المرأة في التعليم و المساواة بالرجل .كيف تكون المرأة صاحبة قرار و لها الحق في الرفض و القبول .
نسائهم سوف تتمرد عليهم و تطالب بحقوقها مثل المرأة التونسية.
كل تلك الهجمة على النضام في تونس و لم يهتز او يتراجع ،و صمم على المضي قدما في إعطاء المرأة حقوقها.بل و عدم الاكتفاء بالتفكير فقط انما حماية لها فرض تلك الحقوق بقوانين في الدستور التونسي و بعث مجلة الاحوال الشخصية.
كان الرجل في ذلك الزمان سدا منيعا،لحماية حقوق المراة امام كل الهجومات المعاكسة ، كان فخورا بمجلة الاحوال الشخصية ،سباق لإعطائها حقوقها، كان يعلم بأنها تتيح للمرأة المساواة في العلم و العمل و الحقوق و الواجبات .و كل الفصول القانونية التي تطرقت لكل كبيرة و صغيرة ضمانا لحقوق جميع الأطراف.
لم يرفضها الرجل بالعكس كان فخورا بها و يعتبرها فخرا للدولة التونسية المعاصرة. فخورا بحماية حقوق المرأة فسارت وتيرة الحياه عادية هادئة و كان المجتمع اكثر تماسكا من الوقت الحاضر .
ما الذي تغير الان ؟
 الرافضين لمجلة الاحوال الشخصية يدعون انها سيف مسلط على رققبة الرجل و يدعون انها سبب فشل العلاقة الزوجية .
 فترة ما بعد الاستقلال تميزت (1956/1987) بوضع أسس الدولة العصريّة وبناء المجتمع الحديث وضمان و كان الإرتقاء بأوضاع المرأة من أهم المشاغل في تلك الفترة .
مشاغل من يا ترى؟
مشاغل رجال آمنوا بحقوق المرأة ، فهي الام ،و الأخت، و الزوجة ،و هي الشريكة في بناء دولة عصرية و بناء مجتمع متحضر، عملوا على دعم المرأة و تمكينها من حقوقها و أصبحت شريكا فعالا في بناء الدولة المعاصرة و تميزت و حلقت عاليا و أصبحت محط انضار نضيراتها في الوطن العربي .طبعا بعض الانظمة لا يروق لها تحرير المرأة و نيل حقوقها بحجة تمسكهم بالشريعة حسب ما يرونه لفائدة ذكورتهم اذ تطلق المراة عندهم بكلمة و تعاد بكلمة ،و احيانا بدون علمها .
عالم ذكوري يستعمل الشريعة التي انصفت المرأة حسب اهوائه.طبعا تم العمل على إثارة هذا الموضوع عديد المرات و تم صد كل الهجمات التي تستهدف حقوق المراة في تونس .وصل بهم ان اتهموا تونس بالكفر جراء مجلة الاحوال الشخصية ،و ما سببته لهم من ارق و خوف من تمرد نسائهم. وفي كل مرة كانت محاولاتهم يقع التصدي لها.ثم اصبحت هي من تحمي حقوقها و هي القادرة على مواجهة كل الرياح العاتية .
 يعلمون حق العلم ان المرأة التونسية لن تفرط في حقوقها، و مكتساباتها.
في الماضي هناك رجال عملوا على تحريرها و الدفاع عن حقوقها و تأطيرها و تكوينها.الان هي هنا سنديانة صلبة لا تنحني الا لله و لا تنكسر، هي الحارسة الشرسة لحقوقها و مكتساباتها.
ربما تقبل بمراجعة بعض الفصول و التخفيف من شدتها انما أن تلغيها فهذا ما لا تقبله المرأة التونسية ، فلا تقترب من ممتلكاتها لأنها تنظر لذلك بداية التهام حقوقها.
للاسف الثورات العربية جائت لتجعلنا نقاتل لأجل الحفاظ على مكتساباتنا و نجاهد لنحافظ على ما حققنا من انجازات سابقة ،عوض السير الى الامام، و تحقيق انجازات جديدة .
بالرجوع إلى جذور مجلة الأحوال الشخصية نتبين أن المصدر الأساسي لهذه المجلة كان لائحة الأحكام الشرعية المنسوبة لشيخ الإسلام المالكي عبد العزيز جعيط. هذه اللائحة كان الهدف منها جمع شتات ما تفرق من الكتب الفقهية.فهي لا تخالف الشرع و الدين كما يصورها البعض انما تنظم العلاقة الأسرية حتى بعد الانفصال .
رغم بعض السلبيات او الثغرات القانونية و الحيل لبعض النساء للانتقام من الرجل ،فهي حالات شاذة لا يقاس عليها و لا يمكن أن نرمي فشل العلاقات الزوجية على مجلة الاحوال الشخصية فالعيب فينا و ليس في المجلة و قوانينها لان من وضعها رجال ابحروا في العلم و الفقه و من غير المقبول ان يضعوا قوانين تخالف الشرع و تضر بمصالحهم كرجال فهم تطرقوا للموضوع من كل جوانبه حتى لا يظلم احد .
*كاتبة من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى