أقلام مختارة

ما قاله بشار بن برد.. وما كتبته فاطمة اليوسف

سمير عمر

فى كتابه «العقد الفريد» يروى بن عبدربه قصة طريفة عن بشار بن برد، يقول فيها: كان هناك رجل يدعى الشعر ويستبرده قومه (يعنى مش طايقينه)، فقال لهم: إنما تستبردوننى من طريق الحسد (يعنى أنتم تحسدوننى بسبب نبوغى فى الشعر)، فقالوا له: فبيننا وبينك بشار العقيلى، فذهبوا إلى بشار بن برد، فاستقبلهم الرجل وعلم بالقصة فقال له: أنشدنى. فأنشده، فلما فرغ الرجل من قراءة شعره قال له بشار: إنى لأظنك من أهل بيت النبوة، فقال الرجل: وما ذاك؟ (يعنى ليه بتقول كده؟!)، فقال بشار: إن الله تعالى يقول «وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ»!

أتذكّر دوماً هذه القصة الطريفة عميقة الدلالة كلما ظهر فى حياتنا من يدعون أنهم من العالِمين الموهوبين، وهؤلاء كُثُر.

تراهم فى ساحات الشعر وميادين الصحافة والإعلام، ومجالات السياسة والاقتصاد والعلوم العسكرية والبحوث الاجتماعية، وجميعهم ينطبق عليهم قول بشار العقيلى فهم ما تعلموا، وحال غرورهم دون طلبهم العلم، فباتوا من الراسخين فى الجهل، وقد منحتهم ثورة الاتصالات واتساع دور وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى فرصاً ذهبية لكى يصبوا علينا آناء الليل وأطراف النهار آراءهم وأفكارهم ورؤاهم، بجرأة الجاهل وصفاقة المغرور، وهذا ما يعتبره البعض أثراً مهماً من الآثار السلبية لثورة الاتصالات وسيولة المجال العام التى خلقتها وكرست حضورها.

روزاليوسف وعبدالناصر

فى الحادى عشر من مايو سنة 1953 كتبت السيدة فاطمة اليوسف صاحبة مجلة «روزاليوسف» خطاباً إلى جمال عبدالناصر، وكان من بين ما قالته فى هذا الخطاب المهم: «إنك بحاجة إلى الخلاف تماماً كحاجتك إلى الاتحاد، إن كل مجتمع سليم يقوم على هذين العنصرين معاً، ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وأنت تؤمن بهذا كله لا شك فى ذلك، وقد قرأت غير بعيد حديثاً تطالب فيه بالنقد، وبالآراء الحرة النزيهة ولو خالفتك، ولكن أتعتقد أن الرأى يمكن أن يكون حراً حقاً وعلى الفكر قيود؟».

ووصل الخطاب إلى جمال عبدالناصر وقرر أن يرد عليه، وكتب رده الذى نُشر بتوقيعه فى مجلة «روزاليوسف»، فى هذا الرد قال جمال عبدالناصر: «أنا بطبعى أكره كل قيد على الحرية، وأمقت بإحساسى كل حد على الفكر، على أن تكون الحرية للبناء وليس للهدم، وعلى أن يكون الفكر خالصاً لوجه الوطن، وأنا لا أخشى إطلاق الحريات، وإنما أخشى أن تصبح الحرية تباع وتشترى كما كانت قبيل 23 يوليو سلعاً تباع وتشترى، ومع ذلك فأين الحرية التى قيّدناها؟ أنت تعلمين أن النقد مباح، وأننا نطلب التوجيه والإرشاد، ونلح فى الطلب، بل إننا نرحب بالهجوم حتى علينا إذا كان يقصد منه صالح الوطن وبناء مستقبله، وليس الهدم والتخريب ومجرد الإثارة، ذلك لأننى أعتقد أنه ليس بيننا من هو فوق النقد أو من هو منزه عن الخطأ».

وبعد هذا السجال بعدة أسابيع كان «عبدالناصر» قد عقد العزم على أن تكون للثورة صحافتها المعبرة عنها فكانت صحيفة «الجمهورية» التى ترأسها أنور السادات. حدث هذا فى مصر قبل نحو اثنين وسبعين عاماً، وهو يعكس جدلاً بين منهجين وأسلوبين واضحين فى التعامل مع فكرة حرية الصحافة والرأى والتعبير، فعلى جانب تقف السيدة فاطمة اليوسف معبرة عن الصحفيين الراغبين دوماً فى مساحات أوسع من حرية الفكر والرأى والتعبير، ولها الحق كل الحق فى ذلك، وعلى الجانب الآخر يقف جمال عبدالناصر معبراً عن السلطة التى تدرك جيداً حجم المخاطر والمؤامرات التى تحاك ضد التجربة الثورية الناشئة وتسعى لحمايتها والحفاظ عليها، وله الحق كل الحق فى ذلك. طيب ما الحل؟ وكيف يمكن التوفيق بين صحفيين يريدون الحرية حتى لو شابها بعض المخالفات والأخطاء، ورجال دولة يريدون الحفاظ على أمن واستقرار البلاد حتى ولو كان ذلك من خلال وضع القيود على حرية الرأى والتعبير؟

القضية معقدة دون شك، ويزيدها تعقيداً تلك التطورات المتسارعة وأحزمة النار التى تشتعل من حولنا، إضافة إلى الحملات الممنهجة التى يشنها تنظيم الإخوان ومؤيدوه ضدنا.

ربما يكون التعامل الأفضل حالياً مع هذا المشهد المعقد هو البحث عن نقاط التقاء بين المنهجين لرسم مسار يراعى شواغل الجانبين، على أن يتولى تطويره وتنفيذه صحفيون وإعلاميون أكفاء، يدركون طبيعة المرحلة ومخاطرها، ورجال دولة يؤمنون بدور الصحافة وأهميتها، ساعتها -على الأرجح- سنجد سبيلاً لتطوير الصحافة والإعلام فى مصر ونعبّد طريقاً أمام مجتمع تعددى على مختَلف الأصعدة، صلباً فى مواجهة الشدائد ومجابهة الأخطار.

نحن لسنا بحاجة لوضع خطط معقدة وتصورات مركبة لتطوير الإعلام فى مصر، فيكفينا الالتزام بالإطار القانونى والدستورى وفق ثلاثة محددات رئيسية:

أولاً: تمكين أصحاب المواهب والكفاءات الصحفية والإعلامية فى كل المؤسسات بغض النظر عن نمط ملكيتها وطبيعة عملها، مع الدفع بالوجوه الشابة التى تمتلك القدرات اللازمة للتعامل مع التطور المذهل فى وسائل الاتصال.

ثانياً: توفير الموارد المالية اللازمة، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة مهما كانت ضئيلة، مع وضع ضوابط صارمة لعمليات الإنتاج والتوزيع سواء فى مجالات الصحافة والإعلام أو ساحات الإنتاج الدرامى والسينمائى مع عمليات تشبيك واسعة النطاق بين الشركات الوطنية العاملة فى هذا المجال.

ثالثاً: توسيع هامش الحريات ليس فقط فى الصحافة والإعلام ولكن فى المجال العام بصورة شاملة مع مراعاة طبيعة المرحلة التى تمر بها مصر والمنطقة بل والعالم بأسره.

وبعد الاتفاق على تلك المحددات سيكون لكل فريق عمل كامل الحرية فى وضع خريطته الخاصة لتطوير أدائه وتعظيم الاستفادة من قدرات أعضائه. ساعتها سنجد صحافة أفضل وإعلاماً أكثر تأثيراً، ولن يكون هناك مجال لأولئك الذين «ما تعلموا وما ينبغى لهم».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى