صحف

لوموند: الجزائر تشهد أكبر عملية أمنية منذ “العشرية السوداء” بعد هروب المسؤول الاستخباراتي البارز الملقب بـ”ناصر الجن”

من سعيد وهراني

الجزائر ـ يورابيا ـ من سعيد وهراني ـ كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن العاصمة الجزائرية وضواحيها شهدت في 18 سبتمبر/أيلول عملية أمنية غير مسبوقة، وصفت بأنها الأوسع منذ الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، في إطار ملاحقة وتوقيف أحد أبرز رجال الاستخبارات في البلاد، الجنرال عبد القادر حداد، المعروف بلقب “ناصر الجن”، الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي (DGSI).

وأضافت الصحيفة أن شوارع العاصمة تحولت إلى مشهد أشبه بحالة طوارئ شاملة، حيث تم نشر أعداد كثيفة من قوات الشرطة والجيش، وإغلاق العديد من الطرق، فضلاً عن استخدام مروحيات وأسلحة ثقيلة، وسط حالة من الذهول الشعبي والإعلامي، لا سيما وأن الجنرال كان يُعد من الشخصيات المقربة من الرئيس عبد المجيد تبون.

وبحسب التقرير، فإن توقيف “ناصر الجن” جاء بعد فراره المؤقت، حيث نُقل بداية إلى السجن العسكري في البليدة، ثم إلى مدينة بشار في الجنوب الغربي، قبل أن يتم وضعه قيد الإقامة الجبرية في فيلا فخمة بحي دالي إبراهيم، أحد أرقى أحياء الجزائر العاصمة. وأكد مصدر جزائري للصحيفة أن الإقامة الجبرية تمت وسط رقابة شديدة على مدار الساعة.

تحرك أمني يعكس انقساماً داخلياً في أعلى هرم السلطة

وأشارت الصحيفة إلى أن استدعاء المجلس الأعلى للأمن لاجتماع عاجل، دون كشف تفاصيل، تزامن مع عمليات تفتيش واسعة شملت الجزائر الكبرى، ما يُعد مؤشراً واضحاً على حالة التوتر والانقسام داخل النظام.

وبحسب “لوموند”، فإن اختفاء ناصر الجن، وما تلاه من تحقيقات واعتقالات لضباط يُعتقد أنهم متواطئون معه، يكشف عن صراع داخلي محتدم بين الأجنحة الأمنية، ويضعف سردية “الجزائر الجديدة” التي روّج لها الرئيس تبون منذ وصوله إلى الحكم في 2019.

تكهنات واسعة وغياب للمعلومة الرسمية

وسلطت الصحيفة الضوء على صمت الإعلام المحلي الخاضع لرقابة النظام، والذي وصف الحدث بكلمات مقتضبة وغامضة، مما غذّى شائعات عدة، أبرزها أن ناصر الجن قد فرّ إلى إسبانيا، حيث سبق له الإقامة خلال الفترة بين 2015 و2020. فيما أفادت مصادر أخرى بأنه لا يزال في الجزائر تحت حراسة مشددة.

وتُتداول كذلك معلومات غير مؤكدة عن اعتقال عدد من الضباط المتورطين أو المتعاطفين مع ناصر الجن، في مؤشر على اتساع دائرة التحقيقات الداخلية.

تاريخ من الصراعات بين أجهزة الدولة

وبحسب “لوموند”، فإن الجنرال ناصر الجن يُعد أحد أبرز رموز الجناح الأمني الصلب، وهو ينتمي إلى شبكة داخل الدولة طالما لعبت دوراً محورياً في التوازن بين الجيش والرئاسة وجهاز المخابرات، منذ أيام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وتابعت الصحيفة أن ما يحدث اليوم يُعد امتداداً لسياسات الإقصاء والتصفية المتبادلة التي بدأت بقرار قائد الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح تفكيك جهاز الاستخبارات القوي “DRS” في 2015، والذي كان يقوده الجنرال محمد مدين، الشهير بـ”توفيق”، في أعقاب هجوم تيقنتورين الإرهابي عام 2013.

وأشارت الصحيفة إلى أن أجهزة الدولة لم تعد تعمل وفق آليات واضحة للفصل بين الصلاحيات، بل تحولت إلى ساحة صراعات مغلقة بين شخصيات ونخب أمنية متضادة المصالح، في ظل غياب مؤسسات مدنية فعالة قادرة على ضبط التوازن.

العودة إلى “دائرة الحسابات الأمنية”

وأكدت “لوموند” أن إعادة ترتيب جهاز الأمن الداخلي بعد إقالة ناصر الجن، لصالح الجنرال عبد القادر آيت ورابي، المعروف باسم “الجنرال حسن”، الذي سبق له أن سُجن بين 2015 و2021، يعكس عودة النخبة القديمة إلى الواجهة، ويثير تساؤلات حول مصير الإصلاحات الأمنية والمؤسسية التي لطالما وعدت بها السلطة.

ونقلت الصحيفة عن محللين جزائريين قولهم إن ما يجري اليوم يشي بـ”تحلل تدريجي” لمعادلة الحكم التي كانت قائمة على توازن بين الرئاسة والجيش والمخابرات. وأضافت أن “الولاءات الشخصية ودوائر النفوذ أصبحت هي المحرك الحقيقي للصراع داخل الدولة الجزائرية”.

مخاوف من مرحلة جديدة من عدم الاستقرار

واختتمت الصحيفة تقريرها بالتحذير من أن هذه الاضطرابات، التي تأتي على خلفية انتخابات رئاسية أُعيد فيها انتخاب تبون لولاية ثانية في سبتمبر 2024، قد تكون بداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار المؤسسي والسياسي، خاصة في ظل انهيار منظومة الوساطات الداخلية التي كانت تضمن الحد الأدنى من وحدة النظام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى