*د . مهيب صالحة
كل بلد يتولى أمره ساسة، فيهم : المحنك، والداهية، والمغفل، والحكيم، واللئيم، والعالم، والجاهل، والعادي، والبسيط، والخارق، والحارق، والمارق، والصغير، والكبير، والوريث، والأمير .. وفيهم: المدني، والعسكري، والمخبر، والمنتخب، والوريث، والانقلابي.. وفيهم: الطبيب، والمهندس، والاقتصادي، والتاجر .. لكن بين كل الساسة الذين يحملون هذه الصفات والاختصاصات وغيرها توجد كارزمات حقيقية تترك أثراً طيباً في تاريخها، وكاريزمات غير حقيقية تظل وصمة عار في التاريخ، وكارزمات تثير الجدل. ويتميز العصر الحالي بكثرة الكارزمتين الأخيرتين، وبخاصة المثيرة للجدل، مقابل قلة قليلة من الكارزمات الحقيقية.
بوريس جونسون خريج كلية إعلام اكسفورد الذي أتى من عالم الصحافة البريطانية الحرة إلى عالم السياسة البريطانية الموجهة. يحمل الجنسية الأمريكية ومبهور بالرئيس دونالد ترامب وتغريداته السياسية. يعود إلى أصول تركية مسلمة وينتمي لتيار الإسلاموفوبيا . ذو نزعة عنصرية للعرق الأبيض ومهندس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هذه الشخصية المتناقضة والمثيرة للجدل تكاد تكون النصف الثاني لشخصية ترامب في الشكل وتحمل في المضمون ما يحمل نصفها الأول، لكنها شعبوية ومقنعة لشرائح واسعة في المجتمع البريطاني تنظر إلى الهجرة والمهاجرين بعين الريبة والحذر، وتميل إلى تقديس الشخصية الوطنية البريطانية، التي منذ زمن ليس بالبعيد كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
لم يأتِ موقف هذه الشرائح من المسلمين المهاجرين إلى بريطانيا من فراغ، إنما هو نزعة عامة في المجتمعات الأوروبية، تتزايد ويتسع نطاق تأثيرها، مع كل جرعة إضافية في تطوير الديمقراطية الليبرالية، ودولة المؤسسات التي تتيح فرص الحياة لكل الخيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، طالما لا تتعدى هذه الخيارات الديمقراطية ومؤسساتها، ولا تهدم أسس النظام العام، ولا تؤدي إلى العنف وتهتك النسيج المجتمعي بجميع مكوناته وتلاوينه. وإذا كانت ديمقراطيات ما بعد الحرب العالمية الثانية تحارب بشدة النزعات الشوفينية من نازية وفاشية وقومية وعنصرية فإن الديمقراطيات الحديثة صارت تتعامل معها كإحدى الخيارات التي تولد من رحم المجتمات الغربية الحديثة. ومن جهة ثانية فإن رفض المهاجرين وخاصة المسلمين الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وحملهم كل موروثاتهم الثقافية والاجتماعية إلى الغرب، وظهور الإسلام السياسي المتطرف في أوساط الكونتونات الإسلامية، والذي لا يخفي عداوته للغرب وثقافته ومؤسساته، قد ساعد على نمو النزعات المعادية للمهاجرين وللإسلام، والرافضة للهجرة وقوانينها في بريطانيا وعموم أوروبا.
بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني السابق الذي خلف السيدة تيريزا ماي في رئاسة وزراء بريطانيا كان قد تعرّضَ لانتقادات شديدة إثر ادِّعائه بأن الإسلام قد عاد بالعالم الإسلامي ـ حسب الغارديان البريطانية ـ قرونا من الزمن إلى الوراء، وأن ثمة شيئاً في الإسلام يعوقُ عمليات التنمية، ونتيجة لذلك أضحت ” المظلومية الإسلامية ” عاملاً مهماً يؤجج الصراعات في البلاد الإسلامية، ويمنع قيام برجوازية وطنية وديمقراطية ليبرالية فيها. كما شبّه، في الوقت ذاته النساء المسلمات المحجبات بـ”صناديق البريد” و” لصوص المصارف”، الأمر الذي أثار موجة استنكار في أوساط المسلمين البريطانيين لأن تحليلاته تدعو إلى كراهية بغيضة تجاه الإسلام والمسلمين البريطانيين.
مما لا شك فيه أن جونسون سيحاول لعب دور رجل بريطانيا القوي، من خلال تأكيد العمل على خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي. ومن خلال إبداء العداء للمهاجرين من العالم المتخلف وبخاصة من البلدان الإسلامية، وسيعمل على تشديد قوانين الهجرة البريطانية. وستكون له مواقف مشابهة لمواقف ترامب من قضايا منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
إن بريطانيا التي دعمت نشوء الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي لم تكن ثمة عولمة، مع أن نشوءه جاء حاجة موضوعية بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز قوتين عظميين، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، تنافسان أوروبا، وتتحدياها. إلا أن بعض ساستها عوضاً عن تقديم المبادرات لتطوير الاتحاد في ظل عولمة شديدة التعقيد، وبروز دول عظمى ” طاحشة ” كالصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية.. لا هم لهؤلاء الساسة سوى إضعاف الاتحاد الأوروبي بخروج بريطانيا منه الذي ربما يشجع دول أخرى على الخروج أيضاً، ويصير، عندئذِِ، تفكك الاتحاد سبباً لانهيار أوروبا وخروجها من حلبة المنافسة الدولية، كما انهار الاتحاد السوفيتي بسبب تفكك اتحاده. وبوريس جونسون يتفاخر بكونه مهندس سياسة إضعاف الاتحاد الأوروبي، ويهدد بالخروج منه بدون اتفاق بريكسيت، وبالتالي فكرة جونسون بالانسحاب بدون اتفاق ستعني الاستغناء عن موظفين وعمال، وارتفاع أسعار السلع، وخطر احتمال بيع جهاز الصحة الوطنية إلى شركات أمريكية في صفقات تصالحية مع دونالد ترامب وفق ما قاله جيريمي كوربن زعيم حزب العمال المعارض. كما سيؤدي ذلك إلى تعزيز النزعات العنصرية والشوفينية في المجتمع البريطاني، وخطر امتدادها إلى عموم أوروبا.
ولا شك من أن بريطانيا التي شجعت ودعمت نشوء الإسلام السياسي بدءاً من حركة الإخوان المسلمين وانتهاء بالقاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى، وجعلت من أراضيها ملاذاً للجهاديين وللقيادات الإسلاموية، سوف تتابع سياستها مع السيد جونسون تجاه هذا التيار، لأنه يقدم لها وللغرب الليبرالي عموماً خدمات جليلة في إفشال أي مشروع نهضوي وديمقراطي في الدول الإسلامية. ولكن في المقابل، أعتقد، بأنها ستمارس ضغوطاً على رعاياها المهاجرين وبخاصة المسلمين، وتطويق الإسلام السياسي فيها، والتضييق على فرص قبول مهاجرين مسلمين هاربين من الفقر والحروب في بلادهم. وفي الوقت ذاته ستمارس سياسة العصا والجزرة مع الدول الطاردة للمهاجرين كسورية والعراق وأفغانستان وليبيا بربط مساهمتها في إعادة الإعمار بوقف تدفق اللاجئين وإعادتهم إلى بلدانهم.
إن حركة الإخوان المسلمين انكشفت للسياسة البريطانية كما انكشفت للسياسة الأمريكية، فهي أدت دورها في حرف ثورات الربيع العربي عن منهجها الوطني الديمقراطي، وساهمت في تدمير المنطقة، وتأخيرها، ولن تساعد بريطانيا كما أمريكا الحركة لتلعب أي دور في المستقبل القريب وبخاصة أن مركز الحركة الآن ـ تركيا الأردوغانية ـ تبتعد عن الحضن الأوروأمريكي وتقترب من الحضن الروسي، وسياسة ” رجل في الفلاحة ورجل في البور ” انفضحت ولم تعد لها فاعلية. ومن غير المستبعد أفول نجم العدالة والتنمية من سماء تركيا وأفول، معها، كل جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها، الإخوان المسلمين، وجونسون كما ترامب يدرك هذه المعادلة، ولن يبخلا بجهد حتى تتحقق، أو يعاد احتواء الإردوغانية وربيباتها الإخوانجية في العالم الإسلامي بشروط وأدوار جديدة. ولكن حتى يحدث ذلك يتقوى التحالف العربي السعودي الاماراتي المصري في وجه الإخوان المسلمين وداعميهم في كل من تركيا وقطر، وتتعزز معه مكانة عبد الفتاح السيسي في مصر في ولايته الثالثة والأولى بعد تعديل الدستور. وتتقوى شوكة الجنرال خليفة حفتر في ليبيا. وحدها تونس من كل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من المؤمل أن ينتهي فيها الصراع بين الدين والعلمانية، وبين الاستبداد والديمقراطية، لمصلحة العلمانية والديمقراطية، وستلعب المرأة التونسية الدور الأبرز في هذا النجاح، وسيكون كل من ترامب وجونسون ومعهما باقي جوقة مثيري الجدل في موقف حرج تجاه النجاح التونسي لأنهم يخشون أي تحول في هذه المنطقة من الاستبداد، السياسي والديني، إلى الديمقراطية والعلمانية. ويتوقف القرار حيال النجاح التونسي على نجاح أو فشل ثورتي الجزائر والسودان، ويسجل كعنوان رئيس لعموم المنطقة لعقود قادمة.
من جانبه سيكون دونالد ترامب الذي أتى من عالم المال والأعمال، وقد شارفت رئاسته لأمريكا على أعتاب امتحان صعب في الانتخابات القريبة القادمة، الرجل الأكثر سعادة واطمئناناً على مصيره في البيت الأبيض للفترة الثانية. فهو يضمن اللوبي الصهيوني لكثرة العطايا لإسرائيل والتي لم يجرؤ أي رئيس أمريكي من قبله على تقديمها ـ القدس، صفقة القرن، تدمير سورية، وحصار إيران ودعم ضربات إسرائيل الجوية لقواتها وميليشياتها في سورية ـ ويضمن المتشددين البيض حيال قضية الهجرة والمهاجرين، وبفوز جونسون يضمن الأمريكيين من أصول بريطانية ذوي الميول العنصرية. ومن جانب أخر يحصل ترامب على شريك أوروبي قوي في السياسة الدولية: في منطقة الشرق الأوسط العلاقة مع إيران ودول الخليج العربي، والمسألة السورية، وإسرائيل والعرب وصفقة القرن، وتركيا وقضية اللاجئين، وأوكرانيا والقرم، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، والحرب الاقتصادية مع الصين، والبرنامج النووي الكوري الشمالي .
إن فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية في الولايات المتحدة الأمريكية العظمى مع بقاء جونسون في سدة رئاسة وزراء بريطانيا التي كانت عظمى، سوف ترتسم على قواعده ملامح مرحلة قادمة في السياسة الدولية فيها الكثير من رعونة تخفيها تصنعات ملامح وجهي الرجلين الكاريكاتيرية وتسريحة شعرهما المثيرة للسخرية.
ففي العلاقة مع إيران ودول الخليج العربي سيمارس الرجلان سياسة العصا الغليظة والجزرة المقشرة. فالضغوط على إيران سوف تزداد من خلال فرض المزيد من العقوبات وجرها إلى حرب باردة باهظة التكاليف، وفي الوقت نفسه إغراءها فيما لو ذهبت إلى التفاوض وفق شروط ترامب بالإفراج عن أرصدتها في أمريكا ودفع قيمة صفقة الدبابات المعقودة مع بريطانيا من سنة ١٩٧١ والمدفوعة الثمن ولم تنفذها بريطانيا بسبب الغاء الصفقة على إثر الثورة الإيرانية، والبالغ قيمتها مع فوائدها حوالي ٤٨٠ مليون جنيه استرليني، ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، وربما الدفع باتجاه رفع أسعار النفط الخام في السوق الدولية، ومبادلة ناقلتي النفط المحتجزتين عند الطرفين . أما دول الخليج العربي فإن الرجلان سيرفعان من مستوى التهديد الإيراني لها بواسطة الحشودات العسكرية، ودفعها لتمويل تحالف دولي لحماية المضائق البحرية ومحاصرة إيران.
إن المرحلة الجديدة سوف تدفع أكثر فأكثر، وربما بفاعلية أكبر بالتزامن مع العصا والجزرة على ضفتي الخليج العربي، بمفاوضات صفقة القرن بين العرب وإيران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ومع كل خطوة في هذا الاتجاه ستنخفض أسهم محمود عباس لتزداد ربما أسهم محمد دحلان لأنه أكثر مرونة في قبول الصفقة ومتحرر أكثر من الضغوطات الداخلية والخارجية.
وسيدعم الرجلان، ترامب وجونسون، حلاً سياسياً في سورية تروج له روسيا، ضمن هذا الإطار، ويقوم على أساس (النظام بثوب جديد ) بقيادة بشار الأسد، الذي تمكن من قلب معادلات اسقاط النظام إلى معادلات إعادة تأهيله مع بدء إعادة إعمار جزئية تتزامن مع عودة اللاجئين على مراحل ودفعات من أوروبا، وطي الملفات الإنسانية المحرجة للنظام وحليفته روسيا لأن التهديد بها لا يعد مجدياً . ولا شك في أن تفوق بشار الأسد لم يعتمد فقط على قوة حلفائه، وإنما على فشل الإخوان المسلمين الذين هيمنوا على المعارضة، ومارسوا عليها غباءهم وسطوتهم، وحولوا الصراع من صراع من أجل التغيير الديمقراطي إلى صراع على السلطة.
بدوره فإن فلاديمير بوتين ـ رجل المخابرات السابق ـ المتمسك بالسلطة إلى الأبد سواء على رأسها أو من خلف كواليسها بعد انتهاء ولايته الدستورية الرابعة في عام 2024 والذي تخفي نظراته الجدية الكثير من الدهاء، سوف يتعامل مع كل من ترامب وجونسون، بكثير من الحذر وقليل من الجدية، في ملفات المنطقة لعله يكسب في أوكرانيا والقرم والعقوبات والدرع الصاروخية التي تشغله أكثر، وسيحاول دائماً جرهما إلى لعبة الوقت التي لن تكون في مصلحة جونسون المتعجرف، فبريطانيا لا يمكن أن يحكمها فرد مهما تمتع بكاريزما قيادية حتى ولو كانت مثيرة للجدل، والمؤسسات ستكون له دائماً بالمرصاد . والرئيس الأمريكي في ولايته الثانية سيكون أسير اللوبيات التي تجدد لحزبه، وستكون ورقة الوجود الإيراني في سورية التي تهم إسرائيل، وورقة احتواء تركيا التي تهم أوروبا والناتو، أهم أوراق اللعب بيد بوتين . أما أردوغان الذي بدأ يخسر في الشارع التركي سيظل يساوم الجميع في قضية اللاجئين، ويهدد بفتح أبواب بلاده لتدفق دفعات جديدة من السوريين الهاربين من حروبه غربي وشرقي الفرات إلى أوروبا، كما يقايض بوتين في إدلب وريفي حماه واللاذقية الشماليين، بمقابل السماح لتركيا بالتنقيب عن الغاز والنفط في الجرف القبرصي، واطلاق يدها في منطقة آمنة على طول حدودها مع سورية مع دور محدود للإخوان المسلمين في أية تسوية، ومنظومة الصواريخ الروسية والناتو والعقوبات الاقتصادية، لعله يستعيد بهذه المقايضات مع الثلاثي العالمي ترامب ـ بوتين ـ جونسون ما قد خسره، أو أقله، وقف نزيف شعبيته في الشارع التركي . ومن المتوقع أن يتركز اهتمام أردوغان في المرحلة القادمة على الداخل مع انكفاء دور تركيا الخارجي ـ كما إيران ـ كدولتين إقليميتين لا تخفيان أطماعهما بدول المنطقة من خلال تحريك أدواتهما من جماعات إسلامية، سنية وشيعية، متطرفة .
من جهتهما، سينشغل كل من علي خامنئي وسلمان بن عبد العزيز، أكثر فأكثر، بمسألة انتقال السلطة، ولكن باتجاهين متعاكسين : الأول سيماطل بالوقت حتى يتجاوز مرحلة ترامب ـ جونسون لأنها ليست لمصلحة أي تغيير مهم في إيران على مستوى رأس السلطة الثيوقراطية . والثاني سيعجل بانتقال السلطة إلى الأمير الشاب محمد بن سلمان في مرحلة ترامب ـ جونسون قبل أن يحدث أي تغيير في رأس هرم السلطة في أمريكا وبريطانيا، لأنه عندئذِ سيكون ليس في مصلحة التغيير في رأس سلطة المملكة . وفي الحالتين ثمة أثمان تستحق الدفع بالسياسة والمال واقتصاد البلدين، وثمة دور لحكم الله في عبيده لا يمكن استبعاده . كما أنه من غير المستبعد أن يبدي الجميع خشيته من تحول اهتمامات ترامب وجونسون باتجاه شرق آسيا، الصين وكوريا الشمالية، على حساب الشرق الأوسط والخليج العربي وشمال أفريقيا . ولكن وحده بنيامين نتنياهو من كل الكاريزمات السياسية المثيرة للجدل سينعم بالراحة والأمان في لعبة الوقت أثناء مرحلة ترامب ـ جونسون لأنهما لا يخفيان عشقهما لإسرائيل وإن كانا لا يظهران انتماءهما للحركة الصهيونية .
*كاتب وأكاديمي سوري