أقلام يورابيا

لا إصلاح بلا عدالة ولا دولة بلا شجاعة ولا وطن بلا مواجهة

يوسف عبداللطيف

لم يعد في الأمر متسعٌ للمجاملات أو المناورة. نحن أمام لحظة كاشفة في تاريخ الجمهورية، تُعيد تشكيل العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. لا يخطئ العاقل أن ما يحدث في مصر اليوم من قوانين وتشريعات وتحولات ليس مجرد تنظيم إداري أو محاولة ترقيعية لحل أزمات اقتصادية، بل هو فعل إرادي لإعادة تعريف من نحن، وماذا نريد، وكيف نعيش معًا على هذه الأرض.

قانون الإيجارات القديمة، الذي طال انتظاره لعقود، ليس قانونًا عقاريًا كما يظن السطحيون، بل هو قرار سيادي يتجاوز أحكام الإيجار إلى عمق فلسفة التوازن الاجتماعي ذاته. أن يكون هناك مواطن يستولي على وحدة سكنية لأكثر من نصف قرن مقابل أجر لا يكفي ثمن زجاجة مياه، بينما يُترك المالك، وربما هو أرمل أو مريض، دون عائد أو مأوى، فهذه ليست قضية سكن بل قضية عدالة. ليست أزمة عقار بل أزمة ضمير وركود دولة خافت طويلاً من فتح هذا الباب.

وقد آن الأوان، بجرأة تستحق الاحترام، أن تُفتح الأبواب المغلقة، حتى لو كان خلفها صراخ. فالدولة التي تخشى مواجهة الاختلالات التي ترسخت في جسدها لعقود، تتحول إلى مريض يرفض الجراحة رغم استفحال الورم. الإصلاح لا يكون على مقاس العواطف، ولا يراعي ترف الحنين، بل يُبنى على الحق وموازين المنطق.

والقانون ليس مفاجئًا، بل خطوة طبيعية في سياق قرارات أكثر اتساعًا وشجاعة، منها إعادة هيكلة الدعم، وتحرير الطاقة، وإطلاق الاستثمارات، والتحول نحو الاقتصاد الإنتاجي، والسعي للانضباط المالي مع مؤسسات دولية. مصر، شئنا أم أبينا، تتغير. إما أن نشارك في هذا التغيير بشروط وطنية ووعي حقيقي، أو نظل متفرجين نلوّح باللافتات ونبكي على أطلال ماضٍ لا يمكن استعادته.

نعم، هناك مواطنون سيتضررون، لكن دولة العدالة لا تُبنى على جمود العلاقات الاقتصادية ولا على الحنين للماضي. يجب أن تقف الدولة في الوسط الصعب: تعوّض المستحق وتحمي الفقير، لكنها لا تسمح بالاستغلال. المستأجر الذي لا يجد بديلًا، يُحمى ويُدعم، لكن من استغل القانون لعقود، وامتلك عقارات وسيارات ويقيم في مناطق راقية بينما يشغل شقة إيجار قديم في قلب العاصمة، فهذا لا يُحمى بل يُحاسب.

الجدل حول قانون الإيجارات، هو الوجه المحلي لما هو أوسع: مصر تدخل الآن منطقة إعادة تأسيس كبرى، تمس القيم، والعلاقات، والمصالح. انتخابات مجلس الشيوخ الجارية ليست فقط إجراءً ديمقراطيًا بل خطوة في إعادة بناء مؤسسات الدولة بقواعد جديدة، والمساعدات المستمرة التي ترسلها مصر إلى غزة ليست عملاً إنسانيًا فقط بل تعبيرٌ عن العمق القومي لمصر ومسؤوليتها الإقليمية المتجذرة. وحتى القرارات الاقتصادية التي قد تُثير الجدل، كخفض الإنفاق أو رفع الفائدة أو ترشيد الاستيراد، هي قرارات لم تعد تحتمل التأجيل في بلد يدفع من جيبه كل يوم تكلفة صمته السابق وتراكم ديونه.

الوطن لا يُدار بالرغبة في إرضاء الجميع، بل بالقدرة على اتخاذ ما يلزم. نحن لا نعيش لحظة ديمقراطية ناعمة، بل لحظة تحمُّل، ولحظة مسؤولية، ولحظة فرز تاريخي بين من يريد دولة قانون وعدالة، ومن يريد استمرار التناقض تحت لافتات الرحمة الزائفة.

مصر لا تصلح بالنوايا الحسنة، ولا بالتغني بالشعبوية، ولا بإرضاء كل الأطراف. الإصلاح الجاد يوجع، ويؤلم، ويثير الغبار. لكنه وحده الذي يبني الدولة، لا الأغاني الحماسية ولا التردد في القرارات الصعبة. حين تقرر دولة بحجم مصر أن تواجه شبكة من التشوهات المتراكمة منذ أكثر من نصف قرن، فهي لا تفعل ذلك حبًا في المخاطرة، بل إدراكًا بأن الاستمرار على ما نحن عليه هو مخاطرة وجودية أكبر.

لن ينجو هذا الوطن من أزماته إلا إذا واجهها، ولن يقوم إلا إذا استقامت قاعدته الاجتماعية والاقتصادية. كل شيء في مصر الآن يعاد تشكيله: من علاقة المواطن بالدولة، إلى علاقة القطاع الخاص بالمجتمع، إلى صورة الدولة نفسها أمام الداخل والخارج.

ومن يُشكّك في نوايا التغيير، فليتأمل خارطة ما تم إنجازه: تحرير علاقات العمل، إصلاح سوق الطاقة، دعم المشروعات الناشئة، تعويم القيود البيروقراطية، إطلاق حزم الطاقة المتجددة، توسعة الدور الإقليمي في فلسطين وليبيا والسودان، ووضع تشريعات تواكب العصر بدل التعايش مع قوانين خرجت من رحم القرن الماضي.

نعم، لا يزال هناك الكثير من التحديات، والبيروقراطية لم تُهزم بالكامل، والفقر لم يُقهر، لكن المسار بات واضحًا: الدولة قررت أن تكون جادة، وأن تُصحح ما تراكم، وأن تعيد هيبة القانون.

وهنا جوهر المسألة: لسنا أمام قانون إيجار فقط، بل أمام لحظة وطنية فاصلة تقيس من يريد مستقبلًا، ومن يُفضل المراوحة في ماضٍ ينهار.

ليس كل قرار محبوبًا، لكن القرارات التي تصنع الدول لا تنتظر التصفيق، بل تحتاج ظهرًا قادرًا على الحِمل، وعقلًا لا يتواطأ مع الجهل، وقلبًا لا يخاف الحقيقة. مصر الآن في حالة مواجهة.. وتلك هي اللحظة التي تصنع بها الأمم مستقبلها.

ويا من تحب هذا الوطن حقًا، لا تسأل فقط: “ماذا تفعل الدولة لي؟؟” بل اسأل: “ماذا أفعل أنا لأجعل هذا الوطن عادلًا وقويًا وآمنًا؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى