
تلتهم الأحاديث عن الهوية الوطنية معنويات وأعصاب الكثيرين ممن يتصدون للنقاش حولها، وخاصة ممن يفتقدون للتأهيل المعرفي الذي يمكن أن يمنحهم شرعية أو أهلية تبني نظرية أو أخرى حول الهوية، عدا عن صياغتها بصورة ذاتية ومحاولة حشوها في كلمات قليلة على مواقع التواصل الاجتماعي.
الاستغراق في الهوية على هذه الصورة التي تصعد بصورة تشتمل في معظم الأحوال على حسن النوايا بل والبراءة، يتحول إلى ظاهرة قلقة تعبر عن محصل قلق جماعي ومحاولة البحث عن مرساة عامة في وسط مضطرب، ومقلقة من حيث أثرها البعيد المدى وما لا يدرك من انتقالها من فضاء ضيق إلى مدى أضيق حتى تصبح عبئا على مشروع الدولة والمجتمع، ومدخلا لتحقيق الخوف الذي استدعاها في البداية، أي الخوف الوجودي، ليصبح البلد بمعناه السياسي وكيانه المؤسسي محلاً لتزاحم الهويات.
يوجد نموذجان مهيمنان في صياغة التصور الخاص بالهوية في المنطقة، المصري والتركي، وبينما يتحصن المصري بالجغرافيا المتفردة التي جعلت كيان الشعب المصري مرتبطاً بنهر النيل، ومحاطا بالصحراء القاحلة شرقا وغربا، فالوجود التركي يعبر عن تراجيديا التاريخ والترحال والتنقل والنضال من أجل الحصول على حيّز جغرافي بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية ونهش القوى الاستعمارية للأقاليم التي بقيت تحت سيطرتها مع دخول القرن العشرين.
النموذج المصري هو شعبي في الأساس، وتحت تأثير القوة الناعمة في الخمسينيات والستينيات أصبحت الجماهير العربية تنظر إلى فكرة الوطن على الطريقة المصرية، وتحاول أن تصنع اعتدادا قائما على أساس وجود شخصية مصرية ممتدة استطاعت أن تهضم جميع الطبقات التاريخية التي تكونها وتعيد إنتاجها في نموذج مصري لا يمكن مساءلته، وهذا النموذج مهيمن وقوي عاطفيا للدرجة التي جعلت أهم مؤسسي الشعر العامي المصري الذي يمكن أن يعتبر من مكونات هذه الهوية وأعمدتها باستقلاله عن الشعر بالعربية الفصيحة والتقاليد السابقة، من غير المصريين الذين تمصّروا (عبد الله النديم – المغرب، بيرم التونسي، ومعهم فؤاد حداد – لبنان).
المصريون، وعلى الرغم من أنهم من الشعوب المضيافة، يبقون ميالين للعزلة وإلى اعتراف مضطرب بالآخر الوافد تجاههم الأمر الذي يدفعه إلى التمصر، وبينما يعلن الشركس مثلا اعتدادهم بأصولهم القومية في الأردن وفلسطين، ففي مصر يصبح ذلك مجرد طيف بعيد وغير مؤكد يمكن أن يصبح موضوعا لحديث عابر عند التساؤل عن الملامح القوقازية لشخص أو أسرة، ولذلك يختلقون نوعا من الوطنية شبيهة بالتدين أو القناعات الغيبية، فمصر بالنسبة لهم ليست حيّزا جغرافيا ولكنها (أم) بمعنى تجسيدي يمكن أن يتجاوز فكرة (الأرض الأم أو أرض الآباء) لدى شعوب أخرى، وهو ما قبض عليه بذكاء الكاتب بلال فضل ليطلق عنوان (ست الحاجة مصر) وبلال نفسه أحد نماذج عبقرية التمصير ونقادها أيضا.
ما يمكن أن يتحصل عليه المصريون يتجاوز الجغرافيا لتتقاطع مع كثافة التدوين في تاريخهم منذ مراحل مبكرة، مع التراكيب القسرية التي وضعت من المؤرخين لتوحيد هويات الأسر الحاكمة في مفهوم الفراعنة الواسع الذي تجاهل أصول بعض الأسر النوبية أو الأمازيغية، ولكن تداخلهم في صياغة منظومات التعليم في الدول العربية، أو حضورهم الثقافي، أدى إلى إنتاج نزعة لتصور الهوية الوطنية بناء على مدخلهم الخاص وتجربتهم المتفردة، وهو ما كان أثقل على بعض الدول العربية من قدرتها على السيطرة على التنوع من غير سند من الجغرافيا الرأسية لنهر النيل، وأبعد من التعبير عن واقع التعدد والتزاحم القبائلي والطائفي داخلها بصورة تختلف عن مركزية مصر وقدرتها على إعادة إنتاج المدخلات في نسخة خاصة من الشخصية المصرية.
الأتراك بدورهم وجدوا أنفسهم أمام حالة من (التكالب) في اتفاقية سيفر 1920، فاليونانيون يتحصلون على أزمير ومحيطها، والأكراد قريبون من تحقيق استقلال في الجنوب، وينتزع البريطانيون والفرنسيون أجزاءً من الأرض، والإيطاليون متأهبون للحصول على حصتهم، ولذلك كان على مصطفى كمال أتاتورك وهو يقوم بإجهاض هذه المشاريع، ومواجهتها عسكريا وسياسيا، أن ينتبه إلى ضرورة اختلاق هوية تركية تحل مكان الهوية العثمانية المنتهية عمليا، وأن يعلن بصورة قسرية بأنه لا يوجد سوى الأتراك على الأرض التي أصبحت تركيا التي نعرفها اليوم، وأن يلغي أي تعدد هوياتي ويقفز على أي وقائع عرقية أو ثقافية أو لغوية، وكان ذلك ضروريا من أجل وجود تركيا التي وضعتها اتفاقية لوزان 1923.
هذه النسخة كانت وصفة لصعود هويات الدول الأخرى التي ارتبطت في وجودها السياسي الحديث بالانهيار العثماني، وكانت جزءًا من تصورات سايكس – بيكو وبعد ذلك ترتيبات الانتداب على المنطقة برعاية عصبة الأمم شكليا، لتتوجه الدول التي صنعت حدودها بناء على التجاذبات بين بريطانيا وفرنسا لبناء هويتها الوطنية بهدف احتواء الأمر الواقع، وأن تتجاوز هويات فرعية سابقة، فالموصل بقيت تتأرجح بين السيادة العراقية والسورية حتى 1925، وسهل حوران يتوزع بين الأردن وسوريا، ولاستكمال لبنان الكبير تنتقل البقاع وطرابلس من عهدة دمشق إلى بيروت.
الأطفال في طابور الصباح في عكار شمال لبنان حاليا، كان يمكن ببعض التفاوض أو لحدث عارض ما أثناء حمى التقاسم 1918 – 1925، أن ينشدوا حماة الديار ويهتفوا للرئيس السوري أيا يكن، وكان يمكن لأبناء درعا أن يرتدوا الشماغ الأحمر ويهتفوا للعرش الهاشمي في عمّان، وكان على هوية الدولة أن تستوعبهم وهو ما حدث فعلا، وبصورة أفضل كثيرا في فترة صعود وبناء المؤسسات التي وجد فيها أبناء المناطق البعيدة عن التنمية خارج العواصم والمدن التقليدية حصتهم من التعليم والعلاج والوظائف الحكومية الأقل تطلبا للمجهود والعمل من الفلاحة أو الأعمال اليدوية الأخرى.
مع العودة إلى الحديث عن تصورات جديدة للمنطقة، والرطانة الفارغة لتوم براك بأقاويل ونظريات برنارد لويس، أصبحت الهوية قبلةً للملايين لتتقاطع النسخة المصرية (الثقافية) مع التركية (العملية)، وتتواجه روايات الناس وأحلامهم والبحث عن جذور تواجه المشروعات المغرضة مع استراتيجيات السلطة واستثماراتها في بناء الهوية الوطنية، والحقيقة أن الجميع يتجاوز عن علاقة يفترض أن تقوم على أطر قانونية واضحة بين المواطن والدولة، فلا تصبح التصورات لا الوقائع هي الأساس في صياغة هذه العلاقة.
الدولة الحديثة مفهوم تعاقدي مزدوج بين المواطنين ومؤسسات الدولة وكينونتها القانونية، وبين الدولة ككيان سياسي والمجتمع الدولي، والهوية من مدخلات هذه العلاقة التعاقدية ولكنها ليست العامل الجوهري، فالسلافيون يتوزعون مثل العرب على العديد من الدول لكل منها حكايتها الخاصة التي لا تتطابق مع التصورات الأخرى ولا تتزاحم ولكن تدخل معها في علاقة جدلية منتجة، والمفترض أن تكون الهوية رافعة للدولة لا عبئا عليها، خاصة في لحظات صعبة ومعقدة من التاريخ، فالهوية ورطة لأنها مفهوم عاطفي يقف على أرضية من رمال التاريخ المتحركة التي التهمت الفراعنة ومعهم الكنعانيين والفينيقيين والآشوريين، وما هو موجود ويمكن تلمسه هو الدولة وتجليها من أجهزة ومؤسسات تضمن سلامة الغذاء على طاولتك إلى سلامتك الشخصية وأنت عائد من عملك في المساء، ولا تدعي أو تزعم أي دور خارج الإطار القانوني والتعاقدي لوجودها الواضح والبسيط والذي يمكن أن يوضع في معادلات مقروءة ومفهومة، ولا يجب تعويض التقصير في ذلك لاستدعاء بدائل التهمها التاريخ ولم تمتلك شرعية الاستمرار أو التجاوز لشروطه.
كاتب أردني
عن صحيفة القدس العربي