السلايدر الرئيسي

 فشلت المفاوضات في باكو بين دمشق وتل أبيب فانفجرت الاشتباكات في السويداء والشرع رفض التخلي عن الجولان 

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ تشهد المنطقة الجنوبية من سوريا، لاسيما ريفي درعا والسويداء، توتراً متصاعداً، وسط اشتباكات دامية، وعمليات قصف، وتحركات عسكرية متسارعة بين مليشيات درزية وعشائر بدوية من جهة والحكومة السورية. لكن خلف هذا التصعيد الميداني، تكشف المعلومات الواردة من العاصمة الأذرية باكو عن سبب سياسي وعسكري أعمق، يتجاوز الإطار المحلي، ويتعلق مباشرةً بالمفاوضات السرية بين سوريا وإسرائيل، التي انتهت بفشل مدوٍ، نتيجة خلاف جذري حول مصير الجولان المحتل.

مفاوضات في باكو… وانفجار الخلاف

بحسب ما أفادت قناة الشرق نقلاً عن مصادر مطلعة، فقد جرت جولات غير معلنة من المحادثات بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باكو، برعاية أطراف دولية، ضمن مساعٍ لإعادة فتح قنوات التفاوض حول مستقبل جنوب سوريا، ومصير هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967.

لكن هذه المحادثات انهارت سريعاً بسبب “فجوة عميقة” في المواقف، حيث أصر الوفد السوري على انسحاب كامل من الجولان مقابل تطبيع محدود للعلاقات، يشمل خطوات رمزية لا ترقى إلى العلاقات الكاملة.

في المقابل، طالبت إسرائيل بـ”تطبيع واسع” يشمل الاعتراف بها كدولة يهودية، وفتح تمثيل دبلوماسي، وتنسيق أمني، دون الالتزام الكامل بالانسحاب من الجولان، بل مع الإبقاء على سيطرتها على عدة مواقع استراتيجية.

قمة جبل الشيخ وتخوف من “هجوم شبيه بـ7 أكتوبر”

أشارت المصادر إلى أن تل أبيب متمسكة بالاحتفاظ بقمم جبل الشيخ وتسعة مواقع أخرى شرق الجولان، بذريعة أهميتها الاستراتيجية والعسكرية، وبخاصة في ظل ما تزعم أنه “معلومات استخباراتية موثوقة” تشير إلى نوايا لدى جماعات مسلحة لشن هجمات ضد المستوطنات الإسرائيلية في الجولان.

وبحسب هذه المعلومات، فإن إسرائيل استجوبت مؤخراً عناصر تابعين لميليشيات موالية لإيران تم اعتقالهم خلال عمليات أمنية داخل الأراضي السورية أو قرب الحدود، وأقروا – بحسب الرواية الإسرائيلية – بوجود مخطط لهجمات منسقة تنفذها جماعات جهادية جنوب سوريا، مستوحاة من عملية حماس في 7 أكتوبر 2023، التي فاجأت الجيش الإسرائيلي وأحدثت خرقاً أمنياً وعسكرياً واسعاً.

انعكاسات على الأرض: السويداء ودرعا في مرمى التصعيد

هذه التطورات السياسية، والتوتر الأمني بين الجانبين، انعكست مباشرةً على الأرض في جنوب سوريا. فقد شهدت السويداء خلال الايام الماضية ولا زالت مستمرة اشتباكات عنيفة بين فصائل محلية درزية وعشائر بدوية من جهة وجهات أمنية تابعة للحكومة في دمشق، على خلفية محاولة فرض سيطرة من قبل المليشيات الدرزية المسلحة التابعة للشيخ حكمت الهجري الذي لم يخفي استقواءه باسرائيل على الحمومة في دمشق، ويُعتقد أنها تأتي استجابة لضغوط اسرائيلية تهدف لاشعال الجنوب و”تطهيره” من أي جماعات موالية لحكومة دمشق.

وصرح رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عن وضع سياسات “لنزع السلاح” من المنطقة الواقعة جنوب العاصمة السورية دمشق، حتى منطقة جبل الدروز جنوبي البلاد.

وقال نتنياهو، في بيان متلفز، الخميس: “لقد وضعنا سياسة واضحة؛ نزع السلاح من المنطقة الواقعة جنوب دمشق، من مرتفعات الجولان إلى منطقة جبل الدروز، وهذا أول خط”.

وزعم أن “الخط الثاني هو حماية الدروز في منطقة جبل الدروز”.

وأضاف نتنياهو: “ستكون هذه أيضًا سياستنا المستمرة، لن نسمح للقوات العسكرية بالنزول جنوب دمشق، ولن نسمح بإلحاق الأذى بالدروز في جبل الدروز”.

وجبل الدروز، ويسمى جبل العرب أو جبل حوران، يقع في جنوب سوريا، وهو عبارة عن امتدادات جبلية تمتد في محافظة السويداء، وترتفع القمم لتصل إلى أكثر من 1809 أمتار، وتنتشر على سفوحه عشرات البلدات.

وتستخدم إسرائيل ما تزعم أنها “حماية الدروز” ذريعة لتبرير انتهاكاتها المتكررة لسيادة سوريا، ومنها رغبتها في جعل جنوب سوريا “منزوع السلاح”،ما يعزز الفرضية بأن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تموضع واستعداد لموجة جديدة من التصعيد المرتبط بالمعادلة الإقليمية.

صراع الإرادات وحدود التنازل

يرى محللون أن ما يجري اليوم في الجنوب السوري لم يعد مجرد اضطراب محلي أو مواجهات فصائلية، بل هو انعكاس مباشر لفشل التفاهمات الإسرائيلية – السورية حول خارطة النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصًا أن دمشق تسعى لفرض سيطرتها على جميع مناطق البلاد وحصر السلاح في يد الدولة، بينما تطالب إسرائيل بضمانات أمنية صارمة وثمن سياسي كبير لأي تنازل إقليمي.

ورغم عدم إعلان أي طرف رسمي عن فحوى هذه المحادثات، فإن تسريب فشلها في هذا التوقيت يُقرأ على نطاق واسع على أنه تحذير إسرائيلي مبكر من أي تحركات عسكرية أو هجمات مرتقبة في الجولان، يُحتمل أن تشنها جماعات ايرانية او جهادية محسوبة على دمشق، وسط بيئة إقليمية محتقنة من غزة إلى لبنان والعراق.

الانفجار الأمني في جنوب سوريا ليس حدثاً عرضياً، بل هو نتيجة مباشرة لفشل مقاربة تفاوضية حاولت تسوية ملف الجولان بطريقة غير مرضية.

وبينما تحاول إسرائيل ترسيخ وجودها في الجولان باعتباره “أمراً واقعاً”، تصر دمشق على انسحاب كامل، مع محاولات الضغط الميداني .

المنطقة على شفا تصعيد جديد قد تكون له تداعيات إقليمية خطيرة، لا سيما إذا قررت فصائل جهادية غير منضبطة تنفيذ عمليات قد تُقرأ في تل أبيب كـ”استفزاز مشابه لهجوم 7 أكتوبر”، وهو السيناريو الذي تتحضر له إسرائيل، وفق روايتها، بكل الوسائل العسكرية والاستخباراتية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى