
فى يوم 12 رمضان سنة 1382 هجرية، الموافق يوم 6 فبراير 1963، توفى المجاهد المغربى الكبير الأمير محمد عبدالكريم الخطابى فى القاهرة، بعد نحو ستة عشر عاماً عاشها فى مصر، أمضى أغلبها فى بيته بشارع قاسم أمين بحى حدائق القبة، ونظراً لمكانته النضالية وتاريخه المشرف أقام له الزعيم جمال عبدالناصر جنازة عسكرية مهيبة، وتم دفن جثمانه فى مقابر الشهداء بحى الدراسة بالقاهرة.
أما قصة علاقة المجاهد الكبير بمصر فقد بدأت حتى قبل أن يستقر مقامه فيها، فقد أحبها وآمن بدورها المهم فى الأمتين العربية والإسلامية، لذلك وحين سمح الاستعمار الفرنسى، الذى أمر بنفى الخطابى إلى جزيرة رينيون بالمحيط الهندى، أن يتم نقله إلى منفى آخر بشرط أن يكون داخل الأراضى التى تحتلها فرنسا، عقد العزم على الاحتيال على قرار الاحتلال الفرنسى، وأن يبحث عن وسيلة لتكون القاهرة هى منفاه الاختيارى، ولكن كيف ومصر ليست ضمن البلاد الواقعة تحت الاحتلال الفرنسى؟
أثناء رحلة الخطابى من المنفى عام 1947 مرت السفينة التى كانت تقله بميناء بورسعيد، وتم تسريب الخبر إلى السلطات المصرية، التى علمت برغبة الخطابى فى البقاء فى مصر، وتم نقل الخبر إلى الملك فاروق فوافق على بقاء السفينة بالميناء والسماح بنزول الخطابى بمصر، وبالفعل وبعد ساعات كانت عملية إنزال الخطابى قد تمت بنجاح، وتم نقله إلى منزل محافظ بورسعيد آنذاك، وبعدها تم نقله إلى القاهرة، حيث استقبله الملك فاروق وأمر بتوفير كل سبل العيش الكريم له فى القاهرة، فمنحته الحكومة المصرية منزلاً للإقامة وأمرت له براتب شهرى.
وبعد أن استقر الخطابى فى القاهرة بشهور قليلة قرر مواصلة نضاله ضد الاستعمار الفرنسى من القاهرة، فى هذه الأثناء كانت الجامعة العربية قد مضى على تأسيسها نحو عامين، وكان أمينها العام الأول هو السياسى المصرى الكبير عبدالرحمن باشا عزام، فتواصل الخطابى مع عزام، فحصل على تأييدها لتحركاته، كما تواصل مع مجموعة من المناضلين من دول المغرب العربى، تونس والجزائر والمغرب، كان أغلبهم من طلاب الأزهر الشريف، وبعد نحو عام من وصوله مصر أسس لجنة تحرير المغرب العربى، وحدد فى البيان التأسيسى أهدافها «جمع شمل كافة القوى والأحزاب الوطنية المناضلة فى سبيل استقلال المغرب وتونس والجزائر وإرساء أسس الوحدة الوطنية المغربية التى تنادى بالإسلام والاستقلال التام وترفض أى مساومة مع المستعمر الأجنبى»،
وفى هذه السنوات اتسع نشاط اللجنة التى استقبلت مجاهدين من مختلف بلدان المغرب العربى، ونجح الخطابى فى الحصول على موافقة الحكومة المصرية بالسماح لأعضاء اللجنة بالتدريب العسكرى فى منطقة الهايكستب، بل والتحق بعضهم بالكلية الحربية وكلية الشرطة، وبعد قيام ثورة يوليو 1952 اتسع نشاط لجنة تحرير المغرب العربى، ومنح ثوار يوليو للخطابى ولجنة تحرير المغرب العربى مساحات أوسع للتحرك والإعداد العسكرى واستمرت عمليات الإعداد والتدريب على أرض مصر.
كانت الثورة التونسية قد اندلعت بالفعل فى يناير 1952، وساهم نجاح الثورة فى مصر فى منح الثورة التونسية قوة دفع إضافية، وبعدها اندلعت الثورة فى الجزائر سنة 1954، ثم صدر البيان الأول لجيش تحرير المغرب العربى من القاهرة فى أكتوبر سنة 1955، واتسعت دوائر المواجهة ضد الاحتلال الفرنسى فى المغرب العربى، فاضطرت فرنسا للانسحاب من تونس والمغرب لكنها احتفظت بالجزائر، فماذا فعل المجاهد الكبير عبدالكريم الخطابى؟
رفض الأمير الخطابى العودة للمغرب، رغم دعوة الملك محمد الخامس الذى زاره فى القاهرة ودعاه للعودة لبلده، وقال ساعتها إنه لن يعود إلى المغرب إلا بعد رحيل آخر جندى أجنبى عن بلاده، وبالفعل استمر الخطابى فى جهاده من القاهرة عاصمة العرب وقبلة المناضلين والأحرار، حتى خرجت فرنسا من الجزائر وتحررت الجزائر من الاستعمار سنة 1962، ولكن ورغم ذلك لم يعد الخطابى إلى بلاده التى ناضل لعقود من أجل تحريرها إذ وافته المنية بعدها بأقل من عام.
بن بلة وبومدين
كان من بين الزعماء المغاربة الذين انتظموا فى صفوف لجنة تحرير المغرب العربى الزعيمان الجزائريان أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، وهوارى بومدين، ثانى رئيس للجزائر بعد أحمد بن بلة، بن بلة وصل القاهرة فى أغسطس سنة 1953، حين كانت مصر تخطو أولى سنواتها الثورية بعد ثورة يوليو 1952، أما هوارى بومدين فوصل القاهرة سنة 1956 فى الوقت الذى أممت مصر فيه قناة السويس وصمدت فى وجه العدوان الثلاثى الغاشم.
بين بلة وبومدين التقيا للمرة الأولى فى القاهرة التى سخرت إمكاناتها المتاحة فى هذه الفترة لخدمة الثورة الجزائرية، كجزء من دعمها ومساندتها للثورة فى بلاد المغرب العربى، وتذكر سجلات الثورة الجزائرية أن أول عملية تهريب أسلحة للثورة الجزائرية كانت من مصر، مروراً بالأراضى الليبية ومنها إلى رجال الثورة فى الجزائر، وفى القاهرة حاول عملاء الاحتلال الفرنسى اغتيال بن بلة لكنه نجا منها، كما نجا من محاولة اغتيال أخرى بعدها فى ليبيا.
أما بومدين فقد التحق بالأزهر وتخرج فيه، حيث كان الأزهر إحدى الساحات المهمة لتجنيد وتعبئة المناضلين المغاربة، وشارك بن بلة وبومدين فى التدريبات العسكرية بمساعدة الحكومة المصرية فى الهايكستب وعين شمس، وبعد نجاح الثورة الجزائرية واستقلال الجزائر تولى بن بلة رئاسة الجزائر وتولى بومدين وزارة الدفاع، ورغم ما حدث بين الرجلين بعد ذلك إلا أنهما بقيا يحملان بالغ التقدير لمصر ودورها فى تحرير بلدهما، وتجلى ذلك فى وقائع عديدة لاحقة وبخاصة بعد نكسة يونيو وبعدها فى حرب أكتوبر.
إن من يراجع يوميات الثورة فى المغرب العربى منذ أطلق الزعيم الخطابى شرارتها فى القاهرة، يدرك مدى الترابط الوثيق بين قوى الثورة فى مصر وقوى الثورة فى المغرب من جانب وبين قوى الثورة فى بلدان المغرب العربى الثلاثة تونس والجزائر والمغرب من جانب آخر.
كل هذا كان قبل أن تطفو أزمة الصحراء على سطح العلاقة بين الأشقاء فى المغرب والجزائر فى أعقاب الانسحاب الإسبانى من المغرب عام 1975، وما نتج عنه من مطالبة باستقلال الصحراء عن المغرب، وظهور جبهة البوليساريو التى تطالب بالاستقلال، ورفض التقسيم بين المغرب وموريتانيا الناتج عن الانسحاب الإسبانى.
الجميع يعلم أن الجزائر هى الداعم الرئيسى لجبهة البوليساريو، وهذا هو السبب فى التوتر الدائم بين الأشقاء فى المغرب والجزائر، ورغم الجهود الأممية والدولية الممتدة منذ وقف إطلاق النار عام 1991 لم يتم التوصل لاتفاق بل على العكس لا يمر يوم إلا وتتسع الهوة بين الموقفين، ويزداد التوتر بين البلدين.
إن إعادة روح الثورة المغربية وموقف المجاهد الكبير عبدالكريم الخطابى الذى رفض العودة إلى بلاده إلا بعد تحرير كامل ترابها من الاحتلال الأجنبى لجديرة بأن تعيد مسار العلاقات بين الأشقاء إلى مسارها الذى ينبغى أن يكون، تاريخياً بذلت مصر جهوداً من أجل طى صفحة الخلاف ودعمت جهود التوصل لاتفاق يقبله الجميع، واحتفظت بعلاقات مميزة بين الجانبين، وما زالت سياسة مصر فى هذا النزاع ممتد الحلقات هى الحفاظ على الوحدة الترابية للمغرب، مع التأكيد على دعمها الحل الأممى لقضية الصحراء، وحرصها على حل المشاكل البينية بين الدول العربية بالحوار وتجنب أى مشكلة تزيد من عمق الخلافات بين الأشقاء.
وهذا ما أكده لى أحد وزراء الخارجية المصرية السابقون حين سألته عن موقف مصر من أزمة الصحراء فأجابنى: بوضوح مصر التى شهدت انطلاق الثورة فى المغرب العربى، وساهمت فى دعم حركات التحرر فيه لا يمكن إلا أن تكون داعمة لكل جهد يسهم فى حل الخلافات بالحوار، وتجنب الدخول فى صراعات فى ظل ما تشهده الدول العربية من أزمات تهدد وجود العديد منها.