أقلام يورابيا
أخر الأخبار
ضد التشاؤم.. من غرامشي إلى غسان كنفاني وإدوارد سعيد.. قراءة في زمن الإبادة
بشار زيدان

في لحظات الانكسار الجماعي، حين تصبح الكلمات هشّة أمام شلال المجازر وأطراف الأطفال المبتورة، قد يبدو التفاؤل خيانةً أو ترفاً لا يليق بالدماء، لكن ينهض الفكر ليعيد ترتيب الفوضى، لا من باب التنظير البارد، بل من موقع الإنخراط الأخلاقي في قلب المعركة.
وفي مواجهة الإبادة الجارية في غزة، نحتاج اليوم إلى ثلاثيّ نادر: غرامشي بصلابته الثورية، كنفاني بعين الشهيد الراوي، وسعيد بلسان المُفكّك للزيف الاستعماري.
غرامشي: تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة
من زنزانته كتب أنطونيو غرامشي عن “تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة”؛ دعوة إلى أن نرى الواقع كما هو، دون تزييف أو تعامي، لكن أن نرفض أن نجعل من التشاؤم قدراً دائماً، وألّا نتركه يشلّ قدرتنا على تغييره، ليقدم لنا مفتاحاً فريداً لفهم التوازن بين الألم والأسى من ناحية، والأمل والعمل من ناحية أخرى، بين الوعي بالهزيمة والرغبة بالإنتصار.
في غزة، تتجلى أقسى صور “تشاؤم العقل”: مجازر ممنهجة، تواطؤ دولي سافر، عجز عربي مطبق.
عشرات الآلاف من الشهداء، جلّهم من الأطفال والنساء، أحياء تُمحى عن الخريطة، مستشفيات تُقصف، وجثث تُكدّس في الشوارع والأزقة.
في المقابل، يظهر الغرب الليبرالي بقيادة أمريكا وبريطانيا وألمانيا وقد تعرّى تماماً، مؤكدًا أن مبادئه لا تُطبق إلا على “شعوب تستحق الحياة”، وفقاً لمعايير استعمارية وعنصرية.
النظام العربي، من المحيط إلى الخليج، يراوح بين العجز والتواطؤ؛ لا جيوش تتحرك، ولا حدود تُفتح، ولا حتى كرامة تُصان. في هذه اللوحة السوداء، يبدو التشاؤم موقفاً عقلانياً بحتاً، وربما ضرورياً، لئلا نسقط في خداع الذات أو تسويق الوهم.
لكن غرامشي لا يتيح لنا رفاهية السقوط في اليأس، فالإرادة، حين تتحرر من الخوف، تصنع المعجزات، حتى في الجحيم.
“لا تجعلوا من التشاؤم عقيدة.”
كنفاني: الحكاية سلاح لا يُهزم
“اللاجئ ليس رقماً في الإحصاءات، إنه إنسان له مأساة لا تشبه أخرى”
كنفاني فهم مبكراً أن الاحتلال لا يغتصب الأرض فحسب، بل يسعى إلى محو السردية، فكانت مقاومته بالقلم لا تقل فتكاً وقوةً عن البندقية.
في رواياته، كما في حياته، كان يرى أن جوهر المعركة هو استعادة الحكاية: أن تقول “أنا فلسطيني”، لا بوصفك ضحية، بل باعتبارك مشروعاً إنسانياً مقاوماً.
واليوم، وسط المجازر، تعود حكايات كنفاني لتذكّرنا أن الدم لا يُمحى، بل يُكتب.
وأن غزّة تطبّق مقولة غسان بأنها تأبى أن تموت دون أن تكون ندّاً، وأن “رجال في الشمس” الذين صمتوا حتى الموت، أصبحوا اليوم جموعاً تصرخ، تبكي، توثق، تتظاهر، تفضح وتدق جدران خزانات الصمت العالمي.
ولهذا، فمهمتنا اليوم أن نواصل كتابة الحكاية، وأن نحمي ذاكرتنا من أن تكون أرشيفاً للهزيمة، بل توثيقاً لمن رفض أن يُهزم، وضمان لإستمرارية الجدوى الثورية.
سعيد: فضح الرواية الغربية
في “الاستشراق”، وفي “مسألة فلسطين”، وضع إدوارد سعيد مرآة أمام الغرب ليرى بشاعته. فضح النفاق الليبرالي، وكشف كيف يُصنّف العالم إلى “ضحايا يستحقون الحزن” وآخرين يُستهلكون على شاشات الأخبار.
سعيد، الفلسطيني المنفي الذي أصبح أحد أهم مثقفي الغرب، بيّن أن الرواية ليست مجرد وجهة نظر، بل أداة سلطة.
وأن إسرائيل لا تقتل الفلسطيني فقط، بل تقتله ثم تمنع عنه رواية موته.
اليوم، مع انكشاف فاشية الكيان، ومع اهتزاز صورة الغرب “الديمقراطي”، تعود أطروحات سعيد أكثر حضوراً.
من داخل الجامعات الأمريكية إلى ساحات لندن وباريس وبرلين، يسقط القناع، ويُستعاد السؤال:
من يملك الحكاية؟ ومن يملك الحق في الحياة؟
والأهم: من يسمو بإنسانيّته أمام آلة الإبادة الصهيونية الكولونيالية الغربية؟
ما العمل؟
إذا جمعنا غرامشي وكنفاني وسعيد، نجد خريطة طريق غير مكتملة لكنها ملهمة:
1. الداخل الفلسطيني:
• أن تستمر فلسطين بقيادة غزة بكل أشكال المقاومة، لأن وجودها ذاته هو فضحٌ دائم لعنصرية العالم، وأن تتوسع لتشمل الضفة الغربية والداخل.
• أن تُكتب الذاكرة الشعبية، لا من أجل الضحية، بل من أجل الناجين والأجيال القادمة.
• أن يُعاد بناء المجتمع من الحطام، لا بمنطق الاستسلام، بل بمنطق من يسقط ليقوم وليحارب يوماً آخر.
2. الشتات والمنافي:
• إعادة تعريف المنفى: ليس هروباً أو لجوءاً، بل جبهة ناعمة تُحرك العالم وتعلّمه الحياة (اقتباساً من قصيدة الرائعة رفيف زيادة).
• بناء مؤسسات إعلامية واقتصادية وقانونية مستقلة، لا تكتفي برد الفعل، بل تصنع المبادرة.
• تشكيل لوبيات ضاغطة ونقل السردية الفلسطينية إلى مؤسسات التأثير، وقد أبدع الشباب الفلسطيني في هذا المجال داخل الجامعات الغربية وفي عواصم المعاداة للقضية.
3.العالم المتضامن
• تحويل الغضب الشعبي إلى أدوات ضغط سياسي وتشريعي.
• مقاطعة المؤسسات المتواطئة، وملاحقة رموز الإجرام في ساحات العدالة الدولية وأمام المحاكم الجنائية.
• فضح الغرب بلغته وأدواته، تمامًا كما علّمنا وسبقنا إلى ذلك إدوارد سعيد.
• تفعيل ودعم المقاطعة الشعبية والإقتصادية والأكاديمية لعزل دولة الإحتلال ومواطنيها ولو على مستوى شعبي.
في الختام:
إذا كان غرامشي قد قدّم لنا لغة الإرادة، وكنفاني قد منحنا شرعية السرد، فإن إدوارد سعيد فضح ازدواجية معايير العالم الغربي.
ثلاثتهم لم يقدموا وصفات جاهزة، غرامشي، الذي سُجن لأنه آمن بالكلمة كأداة تحرر، وكنفاني الذي اغتيل لأنه رفض أن يكون مجرّد لاجئ آخر وكتب فلسطين في مخطوطات عابرة للأجيال، وسعيد الذي مات في الغربة الباردة بعد أن هزم الغرب بمنطقه ولغته وجامعاته، يذكّروننا أن التاريخ لا يكتبه المنتصر فقط، بل من يرفض أن يكون الضحية الصامتة. لذلك، المطلوب منّا كفلسطينيين ومؤيدين للحق ألا نحني رؤوسنا تحت وابل الدم، بل أن نرفعه بما تبقى من كرامة وإرادة ووعي.
غزة اليوم ليست فقط جرحاً مفتوحاً، بل إنذاراً أخلاقياً للعالم: من يصمت الآن، لن يجد ما يقوله لاحقاً.
وغداً، حين يُكتب التاريخ من جديد، سيكون هناك سطرٌ يقرأ: في زمن المجازر، اختار البعض الصمت، واختار آخرون أن يكونوا ضد التشاؤم، وأن يجعلوا شهداء فلسطين قناديلاً على طريق الحرية المطلقة، لا الممكنة.
فلسطين ليست جغرافيا تقاوم، بل وعيٌ كونيٌّ يقف في وجه السُبات الأخلاقي.
كاتب فلسطيني