صحف

صحيفة الغارديان: جامعات كبرى تقاطع إسرائيل وسط اتهامات بالتواطؤ في إبادة غزة

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامةـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن مؤسسات أكاديمية من مختلف أنحاء العالم بدأت تتخذ مواقف متشددة تجاه الجامعات الإسرائيلية، في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية في غزة، وتزايد الضغوط على الأوساط الأكاديمية لعدم التواطؤ مع ما يُوصف بـ”الانتهاكات ضد الفلسطينيين”.

وأضافت الصحيفة أن هذا التحرك الأكاديمي، الذي يشمل جامعات وهيئات تعليمية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، يتزايد مع ارتفاع عدد القتلى في قطاع غزة – حيث تشير أرقام وزارة الصحة في غزة إلى أن أكثر من 63,000 شخص قُتلوا منذ بدء الحرب، معظمهم من المدنيين، في حين يؤكد خبراء أمميون أن بعض مناطق القطاع باتت تعيش مجاعة “من صنع الإنسان” نتيجة الحصار والدمار الواسع.

مؤسسات أكاديمية تقاطع الجامعات الإسرائيلية

أوضحت الغارديان أن سلسلة من الجامعات قد قررت بالفعل قطع علاقاتها الأكاديمية مع نظيراتها الإسرائيلية. فجامعة سِيارا الفيدرالية في البرازيل ألغت قمة للابتكار كانت مقررة مع جامعة إسرائيلية، بينما أعلنت جامعات في النرويج وبلجيكا وإسبانيا قطع علاقاتها أيضًا. وفي صيف 2025، انضمت جامعة ترينيتي كوليج دبلن إلى هذه الحركة، لتنضم إلى موجة المقاطعة.

كما قررت جامعة أمستردام إنهاء برنامج التبادل الطلابي مع الجامعة العبرية في القدس، فيما أعلنت الجمعية الأوروبية لعلماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية (EASA) وقف التعاون مع الجامعات الإسرائيلية، بل وشجعت أعضائها على اتخاذ نفس الموقف.

دوافع المقاطعة: تواطؤ أكاديمي؟

أشارت الصحيفة إلى أن هذه القرارات لا تنبع فقط من رفض الحرب في غزة، بل من قناعة تتزايد داخل الأوساط الأكاديمية بأن هناك تواطؤاً ممنهجاً من جانب الجامعات الإسرائيلية في دعم البنية العسكرية والسياسية الإسرائيلية.

وقالت ستيفاني آدم، من الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)، إن المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية متورطة في “نظام طويل الأمد من الاحتلال العسكري والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري، والآن الإبادة الجماعية”، على حد تعبيرها. وأكدت أن هناك واجباً أخلاقياً وقانونياً على الجامعات حول العالم لقطع علاقاتها بهذه المؤسسات.

تحفظ في الغرب: بريطانيا وفرنسا وألمانيا تتريث

رغم الزخم المتصاعد لحركة المقاطعة، لفتت الصحيفة إلى أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا لم تُظهر حماسة مشابهة. فقد صرّحت منظمة Universities UK، وهي الهيئة التمثيلية للجامعات البريطانية، أنها لا تؤيد المقاطعة الأكاديمية الشاملة، مبررة ذلك بأن مثل هذه الإجراءات تمثل تهديداً لحرية الفكر والأكاديميا.

وقالت UUK في بيان:”نحن نؤمن بتبادل الأفكار بحرية، بغض النظر عن الجنسية أو الموقع. ولهذا لا نؤيد المقاطعات الأكاديمية العامة”.

وبالمثل، أعلنت الجمعية الملكية البريطانية معارضتها لأي شكل من أشكال المقاطعة الأكاديمية.

أما العالم فينكي راماكريشنان، الحائز على جائزة نوبل والرئيس السابق للجمعية الملكية، فقال للغارديان إنه “يشعر بتضارب” حيال المقاطعة، مشيرًا إلى أن استهداف الجامعات قد يضر بأكاديميين إسرائيليين يعارضون بشدة سياسات حكومتهم، بل ويُظهرون تعاطفًا مع الفلسطينيين.

لكن المؤرخ الإسرائيلي البارز إيلان بابيه خالف هذا الرأي، مؤكدًا أن “الغالبية الساحقة” من الأكاديميين الإسرائيليين لا ترفض الخدمة في الجيش ولا تعارض حقيقة النظام القائم، بل إن العديد من الجامعات الإسرائيلية توفر برامج تدريب وتعاون مباشر مع أجهزة الأمن والجيش والمخابرات، مما يجعلها “جزءًا عضويًا من منظومة القمع”، على حد تعبيره.

وقال بابيه:”المقاطعة الأكاديمية هي محادثة صعبة ولكن ضرورية، تسلط الضوء على مسؤولية هذه الجامعات… الأكاديميا الإسرائيلية الآن تدفع ثمن 77 عاماً من المشاركة في نظام اضطهاد”.

موقف الطلبة والباحثين

من جانبه، صرّح الجراح الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة، الرئيس الحالي لجامعة غلاسكو، أن الطلاب والباحثين في المملكة المتحدة يواجهون قيودًا من إدارات الجامعات عند محاولة الدفع باتجاه مقاطعة إسرائيل أكاديميًا. ومع ذلك، فإن العديد من الباحثين يتخذون مواقف شخصية وغير رسمية بوقف التعاون مع نظرائهم الإسرائيليين، مشيرًا إلى أن الشعور بالغضب الأخلاقي يدفعهم لقطع هذه الروابط.

هل تؤثر المقاطعة على إسرائيل فعلاً؟

ترى الغارديان أن السؤال الجوهري يبقى: هل تؤثر المقاطعة الأكاديمية فعلًا على الحكومة الإسرائيلية أو على أداء البحث العلمي في إسرائيل؟

تشير بعض المصادر في الداخل الإسرائيلي إلى أن المقاطعة لم تؤثر جوهريًا حتى الآن، وأن التعاون مع جامعات كبرى مثل هارفارد وأكسفورد ومعهد ماكس بلانك لا يزال قائمًا. لكن الصحيفة حذّرت من أن الأمور قد تتغير إذا استمرت حركة المقاطعة في التوسع.

ويُعد التمويل الأوروبي أحد أبرز مكامن القلق، خاصة أن إسرائيل حصلت منذ عام 2021 على 875.9 مليون يورو من برنامج Horizon Europe الأوروبي للأبحاث. وفي يوليو الماضي، اقترحت المفوضية الأوروبية تعليقًا جزئيًا لمشاركة إسرائيل في هذا البرنامج، وهو ما سيؤثر على الشركات الناشئة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأمن السيبراني.

مؤشرات على التراجع

كشفت الصحيفة أن الحكومة الإسرائيلية خصصت 22 مليون يورو عام 2024 لمحاربة المقاطعة الأكاديمية، وهو ما يُظهر إدراكًا داخليًا بخطورة هذا التوجه. كذلك، لوحظ تراجع في حجم المنح التي يحصل عليها الباحثون الإسرائيليون من مجلس الأبحاث الأوروبي (ERC)، حيث حصل 10 باحثين فقط من إسرائيل على منح في 2025 مقارنة بـ 30 باحثاً في العام السابق.

المخاوف من “هجرة العقول”

أحد أبرز المخاوف التي تلوح في الأفق، بحسب الغارديان، هو أن يؤدي الضغط الأكاديمي المتواصل إلى هجرة الباحثين والعقول من إسرائيل، لا سيما في المجالات الطبية والتقنية، مما يشكل خطرًا طويل الأمد على الاقتصاد الإسرائيلي القائم في جزء كبير منه على الابتكار العلمي والتقني.

اختتمت الغارديان تقريرها بالتأكيد على أن الأكاديميين الإسرائيليين يعتبرون أن الجامعات ليست هدفاً مناسبًا للمقاطعة، وأن البعض يعتقد أن المقاطعة وحدها لن تُحدث تغييرًا حقيقيًا. لكن أصواتًا أخرى، مثل غسان أبو ستة، ترى أن مجرد التهديد بالمقاطعة قد يكون كافيًا لإجبار الحكومة الإسرائيلية على تغيير سياساتها.”الضغط الأكاديمي ربما لا يُسقِط طائرات، لكنه قادر على تغيير المزاج الدولي، وزعزعة أسس الشرعية الأخلاقية للنظام القائم”، بحسب تعبير أحد الأكاديميين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى