السلايدر الرئيسي

زهران ممداني وزوجته السورية.. من تعلم العربية في القاهرة الى قصة حب في مقهي يمني انتهت بخطبة في دبي.. العمدة والسيدة الأولى اللذان سيرسمان هوية نيويورك الجديدة

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ لم تكن انتخابات خريف عام 2025 في نيويورك عادية، فقد شهدت المدينة تحولًا تاريخيًا حين صعد اسم زهران ممداني – السياسي التقدّمي من أصل إفريقي–هندي – ليصبح أول مسلمٍ وأصغرَ عمدةٍ في تاريخ المدينة منذ أكثر من قرن.
لكن خلف هذا الانتصار اللافت، تبرز قصة إنسانية وسياسية لا تقل إلهامًا، أبطالها زوجته راما دواجي، الفنانة السورية الأميركية التي قدّر لها القدر أن تصبح “سيدة نيويورك الأولى”، ووالداه الناشطان والمفكران المدافعان عن العدالة الاجتماعية ومناهضة الاستعمار.

من القاهرة إلى قمة نيويورك

رحلة زهران ممداني لم تبدأ من بروكلين، بل من ضجيج القاهرة. في يونيو 2013، وصل الشاب البالغ حينها 22 عامًا إلى العاصمة المصرية قبل أيام من اندلاع احتجاجات 30 يونيو التي أنهت حكم جماعة الإخوان المسلمين.
كتب ممداني لاحقًا في مقال نُشر آنذاك:”انتقلت إلى شقة في شارع البستان، على بُعد دقائق من ميدان التحرير. كنت أدفع ضعف أجرة التاكسي، وأصعد ثمانية طوابق على قدمي بسبب رهابي من المصاعد. هناك، في قلب القاهرة، تعلمت العربية، وبدأت أرى العالم بعيون الناس العاديين.”

تلك الأشهر المصرية لم تكن مجرد تجربة عابرة، بل شكلت حجر الأساس في وعي ممداني الاجتماعي والسياسي. كان يتحدث عن “المقهى الصغير قرب ميدان طلعت حرب” الذي كان يزوره كل صباح، وعن “النقاشات التي لا تنتهي حول الثورة، والديمقراطية، والعدالة”.
ومن القاهرة حمل معه فكرة أساسية ظلّت ترافقه طوال مسيرته: أن السياسة يجب أن تكون امتدادًا لحياة الناس اليومية، لا امتيازًا يُمارس من فوق.

ابن المفكر.. ووريث الوعي

ولد زهران في أوغندا لأب هندي وأم تنزانية، لكنه نشأ في بيئة فكرية عالمية. فوالده هو المفكر البارز محمود ممداني، أستاذ العلوم السياسية والأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا، ومؤلف كتب مؤثرة حول الهوية والسياسة في أفريقيا والعالم العربي.
يقول زهران في أحد لقاءاته:”كنت أستيقظ على نقاشات والدي حول الاستعمار، وأسمع والدتي تتحدث عن العدالة الاجتماعية في إفريقيا. في بيتنا، لم يكن الحياد خيارًا.”

تأثر زهران بفكر والده حول “الهوية كقوة تحرّر لا كقيد”، وهو ما انعكس لاحقًا في سياساته المنحازة للمهاجرين، والطبقة العاملة، والمجتمعات العربية والمسلمة في نيويورك.

راما دواجي.. فنانة سورية على عتبة التاريخ

بينما كانت الأنظار تتجه إلى ممداني بوصفه المرشح التقدّمي الصاعد، بدأت الأضواء تُسلّط أيضًا على زوجته راما دواجي، التي خطفت القلوب والعناوين معًا.
وُلدت راما عام 1997 في هيوستن – تكساس لأبوين سوريين، قبل أن تنتقل العائلة إلى دبي حين كانت في التاسعة من عمرها. تنقلت بين الشرق والغرب، فدرست لفترة في فرع جامعة فرجينيا كومنولث للفنون في قطر، ثم أكملت درجة الماجستير في الرسم التوضيحي من مدرسة الفنون البصرية (SVA) في نيويورك.

لكن الفن بالنسبة لراما لم يكن مهنة، بل منصة موقف.
في لوحاتها، تُجسّد النساء السوريات والفلسطينيات كرموز مقاومة. وفي معارضها الأخيرة في بروكلين، رفعت العلم الفلسطيني بعد حرب غزة، وانتقدت ما وصفته بـ”ازدواجية الصمت الغربي تجاه المآسي العربية”.
وقالت في مقابلة مع مجلة Grazia:”الفن هو صوتي حين يُراد لنا أن نصمت. أنا لا أرسم الجمال فحسب، بل أفضح القهر.”

قصة حب على تطبيق.. ونهاية في بلدية نيويورك

تعرفت راما على زهران عام 2021 عبر تطبيق المواعدة “Hinge”، في قصة عصرية تمزج بين البساطة والقدر. أول لقاء بينهما كان في مقهى يمني في بروكلين، تبعته نزهة في ماك كارين بارك، ثم جولة في أستوريا – منطقته التشريعية آنذاك.
سريعًا ما جمعت بينهما القيم أكثر من الاهتمامات: العدالة، الهوية، والموسيقى العربية القديمة التي كان زهران مولعًا بها منذ أيام القاهرة.

في أكتوبر 2024، أعلن خطبتهما رسميًا، وبعد أيام أطلق حملته الانتخابية لمنصب العمدة. احتفلا بخطبتهما في دبي وسط العائلة، ثم عقدا قرانهما في فبراير 2025 بمدينة نيويورك في حفل مدني بسيط.

سيدة نيويورك الأولى.. وجيل جديد من الرموز

مع فوز زهران ممداني في نوفمبر 2025، أصبحت راما دواجي أول سيدة من أصول سورية وأول فنانة من جيل “زد” (Gen Z) تشغل موقع “السيدة الأولى لمدينة نيويورك”.
لكنها لا تنوي أن تكون مجرد “وجه رسمي”، بل تخطط لإطلاق مبادرات ثقافية وفنية لربط المدارس والمجتمعات العربية والمهاجرة بالفنون والتعليم.
وقالت في أول تصريح لها بعد إعلان النتائج:”أريد أن تكون نيويورك مرآة للعالم كما هي لوحة فنية مفتوحة للجميع.”

نيويورك الجديدة.. بين العدالة والجمال

يصف مراقبون فوز ممداني بأنه انتصار لجيل التنوّع والمهاجرين، إذ جمع في حملته بين روح التقدّمية والواقعية الاجتماعية، مع وعود بإصلاح الإسكان والنقل والعدالة المناخية.
ويرى آخرون أن وجود راما إلى جانبه سيمنح الإدارة الجديدة وجهًا ثقافيًا وإنسانيًا مميزًا.
فهو السياسي القادم من روح القاهرة، وهي الفنانة القادمة من جذور دمشق، وكلاهما يحملان هوية هجينة تشبه نيويورك نفسها — مدينة المهاجرين والأحلام التي لا تنام.

بين زهران الذي تعلم العربية في شوارع القاهرة، و”راما” التي رسمت وجوه الشرق على جدران نيويورك، تتقاطع الحكاية السياسية مع الحكاية الإنسانية.
إنها قصة جيل يرفض الانقسام بين الشرق والغرب، بين الفن والسياسة، بين الهوية والمدينة.
نيويورك اليوم، تحت قيادة زهران ممداني ورفقة راما دواجي، لا تُدار فحسب… بل تُعاد كتابتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى