أوروباالسلايدر الرئيسي

زالوزني في مواجهة زيلينسكي.. صمت لندن يُمهّد لسباق القيادة في أوكرانيا

من سعيد حوا

باريس ـ يورابيا ـ من سعيد حوا ـ قال المعهد الإيطالي للشؤون الدولية في ورقة تقدير موقف إنّ الجنرال الأوكراني فاليري زالوزني أصبح، سواءً برغبة شخصية أو ضمن حسابات سياسية دقيقة، رمزاً محوريًا لمرحلة “ما بعد الحرب” المحتملة في أوكرانيا.

وأضاف المعهد أن انتقال زالوزني من منصبه كقائد أعلى للقوات المسلحة إلى سفير في لندن، والذي فُسّر على نطاق واسع بأنه “منفى مُذهب”، يشكل في الواقع موقعًا استراتيجيًا فريدًا يسمح له بمراقبة التحولات السياسية والعسكرية دون أن يكون غارقًا في المعادلات اليومية للسلطة في كييف، مع بقائه قريبًا من دوائر القرار الغربية.

وأضاف المعهد أن هذا الدور الجديد يُعد بمثابة “عتبة رمزية” في مشهد سياسي متجمّد بفعل الأحكام العرفية، حيث تختفي أدوات المنافسة التقليدية مثل الانتخابات، لكن الحاجة إلى القيادة تبقى قائمة. واعتبر المعهد أن زالوزني، بصفته رمزًا للصرامة والاحترافية والاستمرارية الاستراتيجية، يشغل موقعًا فريدًا في وجدان الرأي العام، ليس كمرشح سياسي تقليدي، بل كوجه يعكس “جدية زمن الحرب”.

وأشار المعهد إلى أن زالوزني يخاطب ثلاث دوائر مختلفة من الجمهور: فبالنسبة للمجتمع المدني، يمثل الاحترام والكرامة؛ وللنخب التقنية والصناعية، يوفر إمكانية التنبؤ والشفافية في القرارات؛ أما للحلفاء الغربيين، فيُجسد فكرة أوكرانيا القوية، القادرة على الاندماج في النظام الدفاعي الغربي دون الاعتماد على الأفراد بل على البُنى المستقرة.

وأوضح المعهد أن العلاقة بين زالوزني والرئيس زيلينسكي تُجسّد جوهر المفارقة السياسية الأوكرانية، أي “التعايش التنافسي” تحت مظلة وحدة وطنية مفروضة بظروف الحرب. وبحسب التحليل، فإن زيلينسكي لا يمكنه فتح مواجهة مباشرة مع زالوزني دون أن يخسر دعمًا دوليًا حساسًا، في حين لا يستطيع زالوزني تحدي الرئيس علنًا دون أن يعرّض نفسه لتهمة زعزعة الاستقرار الداخلي.

واعتبر المعهد أن موقع زالوزني في لندن ليس مجرد منصب دبلوماسي، بل هو منصة اتصال استراتيجية تُتيح له قراءة ديناميات الدعم الغربي، وفهم القيود والفرص المتعلقة بالمساعدات العسكرية والمالية. وأكد المعهد أن عمل زالوزني هناك يشكل تدريبًا عمليًا عالي المستوى حول كيفية تحويل الدعم السياسي إلى قدرة دفاعية مستقرة وطويلة الأمد.

وأفاد المعهد أن زالوزني لا يطرح نفسه كمرشح سياسي عبر خطابات شعبوية، بل يعتمد على رصيده الرمزي وما يمثله من قيم، مشيرًا إلى أن رؤيته لدولة ما بعد الحرب تبدو أقرب إلى “نموذج إسرائيلي”: دولة صغيرة سكانيًا لكنها تكنولوجية، مندمجة عسكريًا، وتُقيم مؤسساتها على أساس المرونة الوطنية لا الشكلية الديمقراطية فقط.

وفي قراءته للديناميكيات الداخلية، قال المعهد إن زالوزني لا يزال يُظهر ولاءً مؤسسيًا للرئاسة، بينما يُواصل بهدوء بناء علاقاته مع النخب الغربية والمحلية، محاطًا بشبكة من المستشارين والمبعوثين الذين يختبرون معه سيناريوهات ما بعد الحرب. وأوضح أن هذا التوازن غير المستقر بين المعسكرين (الرئاسة وزالوزني) يقوم على احتواء متبادل؛ إذ تمنح الرئاسة للجنرال هامشًا من الحركة مقابل التزامه بعدم التحرك السياسي المباشر.

وفي ما يخص الموقف الغربي، أكد المعهد أن كلًا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يتبعان استراتيجية “إدارة المخاطر الانتقالية” دون دعم مباشر لأي مرشح أو توجه، مع الحرص على عدم انهيار مؤسسات الدولة الأوكرانية. ويحرص الحلفاء الغربيون، بحسب المعهد، على الحفاظ على وحدة الرسائل الاستراتيجية، وضمان بقاء أوكرانيا “قابلة للحكم”، خاصة في ظل التوترات السياسية الداخلية.

وعن السيناريوهات المستقبلية، توقّع المعهد ثلاثة مسارات محتملة خلال الأشهر الـ6 إلى 12 القادمة:

  1. “الانتقال المنسق”: حيث يُحافظ زيلينسكي وزالوزني على توازن حذر ومتكامل، تُدار من خلاله المرحلة الانتقالية برسائل موحّدة، ما يُعزز استقرار المساعدات وخطط الدفاع.

  2. “الانقسام المبكر”: في حال وقوع حادث دبلوماسي أو فضيحة سياسية، ما يؤدي إلى انقسام داخلي يُضعف الجبهة الموحدة ويمنح موسكو مساحة دعائية.

  3. “الجمود المتواصل”: حيث تستمر الأحكام العرفية، دون تطورات حاسمة، بينما يتحوّل معسكر زالوزني إلى شبكة تكنوقراطية تتهيأ للمرحلة السياسية المقبلة دون إعلان مباشر.

واختتم المعهد ورقته بالقول إنّ أوكرانيا تقف اليوم على مفترق طرق دقيق، حيث لا يمكن فك الارتباط بين الحرب والسياسة، ولا بين الدعم الغربي والاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق، تُعد شخصية زالوزني بمثابة “رهان طويل الأجل” على الاحتراف والانضباط والاستمرارية، وليس مجرد طموح انتخابي عابر. الحفاظ على هذا التوازن، بحسب المعهد، هو الشرط الأساسي لضمان الانتقال السلس نحو مرحلة سياسية طبيعية، دون إضعاف المنظومة الدفاعية أو فتح ثغرات أمام العدو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى