السلايدر الرئيسيصحف

ديلي تلغراف: استجابةً لشرط داونينغ ستريت للاعتراف بالدولة والعلاقات الدبلوماسية الكاملة.. عباس يُعلن نهاية رواتب الأسرى والشهداء

لندن ـ يورابيا ـ قالت صحيفة الديلي تلغراف البريطانية إن السلطة الفلسطينية أعلنت رسميًا عن إنهاء برنامج “الدفع مقابل القتل”، وهو النظام المثير للجدل الذي كان يقضي بدفع مخصصات مالية شهرية لعائلات من تصفهم إسرائيل بالإرهابيين، ممن قتلوا خلال تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية أو تم اعتقالهم لاحقًا.

وأضافت الصحيفة أن هذا الإعلان، الذي جاء على لسان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال مداخلة عبر الفيديو في اجتماع خاص بالأمم المتحدة، يشكّل تحولًا محوريًا في سياسات السلطة التي طالما تعرّضت لانتقادات دولية بسبب هذا البرنامج، ويمثّل أحد أبرز المطالب الغربية في سياق أي مفاوضات سياسية قادمة مع الجانب الفلسطيني.

وأشارت “الديلي تلغراف” إلى أن عباس كشف، في خطابه، عن أجندة إصلاحات شاملة تعمل عليها السلطة الفلسطينية لتعزيز الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة، وذلك في ظل مساعٍ دولية متزايدة لدفع عملية التسوية الفلسطينية – الإسرائيلية إلى مسار أكثر واقعية.

ومن بين أبرز هذه الإصلاحات، بحسب الصحيفة، إلغاء كافة المخصصات السابقة لعائلات الأسرى والشهداء، وإنشاء نظام موحد للرعاية الاجتماعية يخضع لتدقيق مالي دولي من قبل شركة متخصصة، في إشارة إلى مؤسسة “التمكين الاقتصادي الوطني الفلسطيني” التي باتت الجهة المسؤولة عن تقديم الدعم الاجتماعي بناءً على معايير جديدة.

وتابعت الصحيفة أن هذه الخطوة تأتي في سياق استجابة مباشرة للمطالب الغربية، ولا سيما البريطانية، التي طالبت مرارًا بوقف ما يُعرف إعلاميًا بـ”سياسة التحفيز على العنف”، في إشارة إلى المخصصات المالية التي تُمنح لعائلات منفذي العمليات. وكانت هذه القضية حجر عثرة في العلاقات بين السلطة الفلسطينية وعدة عواصم غربية.

وقالت الصحيفة إن داونينغ ستريت (مكتب رئيس الوزراء البريطاني) كان قد أبلغ السلطة الفلسطينية بأن استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة، والاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية، يستلزم تنفيذ إصلاحات جذرية، وعلى رأسها وقف برنامج الدفع لأسر من تورطوا في أعمال عنف.

وبحسب “الديلي تلغراف”، فإن الخطاب البريطاني في هذا السياق كان حازمًا، خاصة في ظل الضغوط الداخلية التي تعرض لها حزب العمال الحاكم بعد قرار زعيمه السير كير ستارمر الاعتراف بدولة فلسطين، وهو القرار الذي أثار ردود فعل قوية من قبل الجماعات اليهودية في بريطانيا، وممثلي الرهائن الإسرائيليين، وكذلك من قبل حكومة بنيامين نتنياهو.

وأضافت الصحيفة أن قرار وقف المدفوعات يأتي بعد سنوات من التوتر السياسي بين السلطة الفلسطينية والحكومات الغربية حول هذه القضية، لا سيما في ظل تقارير سابقة أفادت بأن بعض عائلات الأسرى أو القتلى الفلسطينيين كانت تتلقى رواتب شهرية تصل إلى 2200 جنيه إسترليني، وهو ما كانت تعتبره إسرائيل “تمويلًا رسميًا للإرهاب”.

ولفتت “الديلي تلغراف” إلى أن عباس لم يكتف بإلغاء البرنامج فقط، بل وعد بفتح دفاتر حسابات السلطة أمام مراقبين دوليين، كإشارة إلى جدية السلطة في إحداث تحول فعلي في نهجها المالي والإداري، وهو مطلب رئيسي للدول المانحة التي بدأت منذ سنوات بتقليص تمويلها للسلطة بسبب غياب الشفافية وضعف الإصلاح المؤسسي.

دوافع متعددة وراء القرار

وقالت الصحيفة إن هذه الخطوة لا تنفصل عن الضغوط الاقتصادية المتزايدة على السلطة الفلسطينية، خاصة بعد قيام إسرائيل بحجب الإيرادات الضريبية التي تجمعها نيابة عن السلطة، وهو ما فاقم من أزمة السيولة في رام الله، ودفع السلطة إلى تقليص رواتب موظفيها وخفض الإنفاق العام.

كما ذكرت أن السلطة تأمل في أن يساهم هذا التحول في استعادة ثقة المجتمع الدولي بها كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين، لا سيما في ظل التحديات التي تواجهها في قطاع غزة، حيث تسيطر حركة حماس، وفي ظل تصاعد الدعوات لتوحيد الجبهة الفلسطينية تحت مظلة سياسية وأمنية واحدة بعد الحرب على غزة.

موقف إسرائيل والضغط لضم الضفة

وأوضحت “الديلي تلغراف” أن إسرائيل من جهتها رفضت الإصلاحات المعلنة بوصفها “تجميلية وغير كافية”، وتواصل التأكيد على أن السلطة الفلسطينية ليست شريكًا موثوقًا، حيث وصفها مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية بأنها “لا تختلف عن حماس في الجوهر”، في موقف يعكس تشدد الحكومة الإسرائيلية الحالية تجاه أي إمكانية للتسوية.

وأضافت أن القرار البريطاني، إلى جانب قرار فرنسا ودول أخرى بالاعتراف بدولة فلسطين، أثار موجة غضب في الأوساط السياسية الإسرائيلية، خصوصًا بين أحزاب اليمين القومي والديني، التي طالبت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالرد عبر ضم أجزاء من الضفة الغربية رسميًا، وهي خطوة تهدد بانهيار ما تبقى من حل الدولتين.

وذكرت الصحيفة أن نتنياهو أشار إلى “رد جوهري قادم” سيتم الإعلان عنه بعد اجتماعه المرتقب مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث يُتوقع أن يبحثا المسار السياسي في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الانتخابات الأمريكية القادمة.

تحجيم دور حماس

وفي خطابه بالأمم المتحدة، نقلت الصحيفة عن محمود عباس تأكيده بأن حركة حماس “لن يكون لها أي دور في الحكم بعد الحرب”، مشددًا على ضرورة تسليم سلاحها للسلطة الوطنية، وهو تصريح يتقاطع مع الجهود الأمريكية والعربية الرامية إلى إعادة توحيد إدارة الضفة الغربية وقطاع غزة تحت سلطة مركزية واحدة.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الموقف قد يُمهّد لإعادة إحياء خطة “غزة أولًا” التي تدعو لتسليم قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية كجزء من مشروع إعادة الإعمار، وهو ما ترفضه إسرائيل حتى اللحظة، بسبب ما تعتبره “غياب الثقة” بالسلطة و”فشلها في نزع سلاح حماس”.

خطوات إسرائيلية ميدانية

وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن إسرائيل أغلقت الثلاثاء المعبر الحدودي مع الأردن “حتى إشعار آخر”، وهي خطوة أثارت مخاوف من أن تكون جزءًا من تصعيد تدريجي باتجاه الضم، خاصة بعد إلغاء تصاريح تنقّل لسكان فلسطينيين في القرى الواقعة شرق القدس.

ورأت “الديلي تلغراف” أن هذه التطورات الميدانية، إلى جانب التصعيد السياسي، تشير إلى مرحلة شديدة التعقيد في الملف الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع التحديات المحلية، ما يضع السلطة الفلسطينية أمام اختبار حقيقي في قدرتها على تنفيذ إصلاحات جوهرية قبل أن تفقد آخر ما تبقى من شرعيتها الدولية والإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى