السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

تفكك المنظومة الأمنية لحزب الله في لبنان وكيف تحول منشد الحزب لعميل للموساد؟ 

من الياس الياس

بيروت ـ يورابيا ـ من الياس الياس ـ تكشف يوماً بعد يوم حجم الاختراق الأمني الإسرائيلي المتنامي في لبنان، في ظل تنامي قدرات تل أبيب في تجنيد عملاء داخل البيئة الحاضنة لحزب الله، ما أسهم بشكل مباشر في استهداف عناصره وإضعاف نفوذه الميداني والأمني على الساحة اللبنانية.

هذا التدهور الأمني غير المسبوق في صفوف الحزب تعزز بعد المواجهة الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، التي اندلعت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت حتى 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. المواجهة التي خاضها الحزب دعمًا لغزة، كلفته خسائر استراتيجية على صعيد البنية الاستخبارية والقيادية، ما أضعف قدرته على كشف وملاحقة المتعاونين مع إسرائيل، وفتح الباب أمام تسلل أوسع للعملاء إلى داخل بنيته التنظيمية.

منشد ديني يتحول إلى عميل للموساد

من أبرز القضايا التي كشفت حجم هذا الاختراق، اعتقال المنشد الديني محمد هادي صالح، المعروف بانتمائه لبيئة حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت. وُجهت إليه اتهامات خطيرة بالتجسس لصالح جهاز الموساد الإسرائيلي، في فضيحة فجرت قنبلة مدوية في الأوساط المؤيدة للحزب.

وبحسب ما أورده موقع “جنوبية”، فإن صالح، الذي دخل عالم البورصة خلال العامين الماضيين، واجه أزمات مالية خانقة دفعته إلى التعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية. ووفق تسريبات، فقد كشفت القضية إثر شكوى مالية ضده تتعلق بعملية احتيال بمبلغ 18,500 دولار، وخلال التحقيق، عُثر على مراسلات مباشرة بينه وبين الموساد في هاتفه المحمول.

اعتُقل صالح منذ أبريل/نيسان 2025، وادعى عليه مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي في 14 مايو/أيار 2025، بتهم تتعلق بالتعامل مع العدو الإسرائيلي والتورط في التسبب بقتل لبنانيين. التحقيقات بينت أنه تقاضى نحو 23 ألف دولار لقاء خدمات تجسسية تضمنت تقديم معلومات عن قادة وعناصر من حزب الله، بل تشير تسريبات إلى أنه باح بأسماء ستة قادة و34 عنصراً من الحزب.

المثير في قضية صالح، أن والده يعمل في جهاز التعبئة التابع لحزب الله، وقريبه قاسم قضى في المواجهات، ما يسلّط الضوء على قدرة إسرائيل على اختراق الصفوف الأشد ولاءً للحزب.

شبكة تتوسع وصمت رسمي

ما أن انكشفت قضية صالح حتى توالت المعلومات عن اكتشاف عملاء آخرين يُعتقد أنهم مرتبطون بالشبكة ذاتها. فقد أُعلن عن توقيف عميل جديد في بلدة الغسانية، بينما تداولت وسائل إعلام محلية أن إحدى الموقوفات تنتمي إلى الهيئات النسائية في حزب الله، ويُشتبه في تقديمها معلومات أسهمت في اغتيال أقارب لها.

ورغم تكتم الأجهزة اللبنانية على التفاصيل، تتصاعد المؤشرات إلى توسع نطاق الشبكة، وسط إشارات إلى أن عمليات التجنيد تمت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر إغراءات مالية في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب لبنان منذ عام 2019.

اغتيالات إسرائيلية تقضي على الصفوف القيادية

تزامنًا مع التمدد الاستخباراتي الإسرائيلي، صعّدت تل أبيب من وتيرة اغتيالاتها ضد قادة حزب الله. فقد استُهدف قادة بارزون من الصف الأول والثاني، وأسفرت العمليات عن تصفية قرابة 80% من القيادة الميدانية والعسكرية، بمن فيهم الأمينان العامان السابقان حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، اللذان قُتلا في غارات إسرائيلية متفرقة جنوب بيروت.

صحيفة “وول ستريت جورنال” قدّرت خسائر الحزب البشرية بـ5000 مقاتل، مع إصابة أكثر من ألف آخرين بجروح بليغة، منها إعاقات دائمة جراء انفجارات استهدفت أجهزة اتصال يحملها عناصر الحزب، في عملية وصفت بالاستخباراتية المعقدة.

“بايجر” والخرق التكنولوجي لشبكة الاتصالات

إحدى أخطر الضربات التي تلقاها الحزب تمثلت في اختراق منظومة اتصالاته عبر عملية “بايجر” في سبتمبر/أيلول 2024. تلك العملية وفّرت لإسرائيل قاعدة معلوماتية ضخمة مكنتها من تحديد مواقع العناصر والقادة واستهدافهم لاحقًا.

الباحث في الشأن الإيراني، عمار جلو، قال في حديثه لصحيفة “الاستقلال” إن اغتيال نصر الله وصفي الدين وغيرهم لم يكن ليحدث اعتمادًا على التقنية وحدها، بل تطلّب وجود عملاء على الأرض يتعقبون تحركاتهم ويزوّدون العدو بمعلومات حساسة.

وأكد جلو أن صفي الدين، على سبيل المثال، لم يُقتل مباشرة في الغارة التي استهدفته في منطقة المريجة، بل صمد لأيام تحت الأنقاض قبل أن يموت اختناقًا، في حادثة كشفت امتلاك إسرائيل معلومات دقيقة عن موقعه وتحركاته لحظة بلحظة.

عوامل التجنيد: المال والفضائح والانكشاف الأمني

ويعود تنامي شبكات العملاء جزئياً إلى تداعيات الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان، والتي أدت إلى انهيار اجتماعي واسع وفر أرضاً خصبة للتجنيد. فبحسب إحصائيات أمنية لبنانية، تم توقيف 185 شخصاً بشبهة التعامل مع إسرائيل منذ 2019، معظمهم جرى تجنيدهم بعد بدء الأزمة.

كما أن تدخل حزب الله في الحرب السورية وتوسعه في أراضٍ مكشوفة أمنيًا ساعد الاستخبارات المعادية على اختراق صفوفه.

ولم تعد إسرائيل تعتمد فقط على الكلاسيكيات الأمنية، بل توسعت في استراتيجياتها لتشمل التجنيد عبر الإنترنت، وفتح شركات وهمية، واستخدام البريد الإلكتروني ومواقع التوظيف لاستدراج الشباب اللبناني الباحث عن فرص عمل.

في أكتوبر/تشرين الأول 2024، أوقف الجيش اللبناني شخصين جندتهما إسرائيل لتوثيق آثار غاراتها الجوية، مستخدمة وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات لاستقطاب العملاء وجمع المعلومات.

المشهد المقبل: تفكك أم إعادة تشكّل؟

حزب الله، الذي لطالما تباهى بصلابة بنيته الأمنية، يبدو اليوم أمام تحدٍ وجودي غير مسبوق. فمع خسارة كوادره القيادية وخروقات التجسس المتتالية، يجد نفسه مضطراً إلى إعادة بناء منظومته الأمنية والتنظيمية من جديد، في بيئة مشبعة بالاختراقات والمخاوف والانهيارات.

وقد تكون قصة “محمد هادي صالح” مجرد بداية لسلسلة قضايا تكشف مدى هشاشة الوضع الأمني داخل الحزب، واحتمال تكرار سيناريوهات أكثر صدمة في المرحلة المقبلة، وسط معركة استخباراتية مفتوحة عنوانها “من يخترق من؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى