تفاهمات سرّية لإطلاق سراح الباحثة الإسرائيلية تسوركوف في بغداد مقابل معتقلين إيرانيين في العراق
م سعيد الربيعي
بغداد ـ يورابيا ـ من سعيد الربيعي ـ كشفت مصادر مطلعة، السبت، عن تقدم ملموس في المفاوضات بشأن إطلاق سراح الباحثة الروسية الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف، المختطفة في العراق منذ أكثر من عامين، ضمن صفقة تبادل معقدة يجري الترتيب لها عبر تفاهمات سرية بين الولايات المتحدة والعراق، وقد تشمل إطلاق سراح عدد من المعتقلين المرتبطين بإيران، من بينهم ضابط في الحرس الثوري الإيراني متهم بقتل أمريكي في بغداد.
وقالت المصادر إن الصفقة، التي يُتوقع تنفيذها خلال أسبوع إلى عشرة أيام، تتضمن إطلاق سراح سبعة معتقلين في السجون العراقية، بينهم إيرانيون متهمون بتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية في البلاد.
وأكدت أن تسوركوف، الباحثة في جامعة برينستون الأمريكية والزميلة في معهد نيولاينز للسياسات، ستُفرج عنها في إطار هذا التفاهم، بعد أن اختُطفت في العاصمة بغداد في مارس/آذار 2023، على يد جماعة مسلحة يُشتبه بارتباطها بـ”كتائب حزب الله”، إحدى أبرز الفصائل الموالية لإيران في العراق.
7 معتقلين بينهم ضابط أدين بقتل أميركي
وكشفت قناة “الرابعة” العراقية أن الصفقة الجاري التفاوض عليها تشمل إطلاق سراح سبعة معتقلين في العراق، متهمين بتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية، ومن بينهم محمد رضا نوري، وهو ضابط في الحرس الثوري الإيراني أدين بقتل المواطن الأمريكي ستيفن ترول في بغداد عام 2022.
وأفادت وكالة فرانس برس بأن واشنطن لم توافق بعد على هذا الشرط تحديدًا، حيث لا تزال قضية نوري تشكّل نقطة خلاف رئيسية، ما قد يُعطّل إتمام الصفقة ما لم يتم التوصل إلى حل وسط.
ضغوط أمريكية وتحذيرات مباشرة
وتأتي هذه التطورات بعد تحذيرات وجهتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحكومة العراقية خلال الشهر الماضي، طالبت فيها بـ”الإفراج الفوري وغير المشروط” عن تسوركوف، محملة بغداد المسؤولية الكاملة عن سلامتها، ومحذرة من عواقب سياسية واقتصادية في حال فشل جهود إطلاق سراحها.
ووفق ما نقلته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، فإن المبعوث الأميركي لشؤون الرهائن، آدم بوهلر، نقل رسائل مباشرة إلى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، شدد خلالها على أن واشنطن “لن تتهاون في هذه القضية”، وأن الامتناع عن التعاون قد يقود إلى إجراءات عقابية.
ونقل عن مسؤولين عراقيين أن حكومتهم كثفت جهودها مؤخرًا لإيجاد تسوية للأزمة، من خلال وسطاء محليين وقنوات غير رسمية للتفاوض مع الجهات الخاطفة، وسط حالة من التوتر نتيجة تزايد الضغوط الأميركية.
وقال أحد المسؤولين إن المفاوضات مع جماعات مثل كتائب حزب الله لم تكن سهلة، مضيفاً أن الجماعة لا تسعى إلى فدية مالية، ما يعقّد الحل، ويؤشر إلى دوافع سياسية خلف عملية الاختطاف.
أول ظهور لتسوركوف منذ اختفائها
وكانت تسوركوف قد ظهرت لأول مرة منذ اختفائها في فيديو مسرب بثته قناة عراقية في نوفمبر 2023، وقد بدت في حال نفسية متوترة. ولم يصدر عن الجماعة الخاطفة أي تبنٍّ رسمي للعملية، ما زاد من الغموض المحيط بالقضية.
وتُشير تقارير استخباراتية إلى أن الباحثة دخلت العراق بجواز سفر روسي، لإجراء بحوث أكاديمية ضمن رسالة الدكتوراه التي كانت تعدّها في برينستون، وسبق لها أن زارت العراق في مرات سابقة.
في المقابل، أعرب مسؤولون أمنيون عراقيون عن مخاوف من أن تُفرض العقوبات الأمريكية المرتقبة حتى مع التقدم في ملف التسوية، معتبرين أن واشنطن تسعى من خلال الضغط إلى الحد من النفوذ الإيراني داخل العراق، أكثر من مجرد استرداد مواطنتها الإسرائيلية الروسية.
مفاوضات دقيقة ومخاوف من التصعيد
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن الولايات المتحدة تنظر إلى قضية تسوركوف بوصفها اختباراً لقدرة الحكومة العراقية على السيطرة على الجماعات المسلحة، وتريد منها إثبات استقلاليتها في ملف الأمن الداخلي.
وفي الوقت نفسه، تتخوف بغداد من أن يؤدي أي تصعيد في هذه القضية إلى توتر في العلاقات مع طهران، خصوصاً مع وجود مطالب بالإفراج عن ضابط في الحرس الثوري الإيراني، يُعتقد أنه لعب دوراً في هجوم أسفر عن مقتل جندي أميركي في العاصمة العراقية.
حتى الآن، لم تؤكد واشنطن رسمياً وجود صفقة، لكن التسريبات المتزايدة وتصاعد التحركات بين بغداد وواشنطن تشير إلى أن الإفراج عن تسوركوف قد بات قريباً، وربما يُعلن عنه خلال الأيام المقبلة، في حال سارت التفاهمات دون عراقيل.
عراقيل وتوازنات إقليمية
أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن المفاوضات الجارية لا تقتصر على الملف الأمني فحسب، بل تنعكس أيضًا على التوازنات الدقيقة بين واشنطن وطهران في العراق. وتحاول حكومة السوداني تحقيق توازن دقيق بين النفوذ الإيراني والضغوط الغربية، وهو ما ينعكس في طبيعة الصفقة وتعقيداتها.
وأكدت المصادر أن الفدية ليست هدف الجماعة الخاطفة، بل تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال الإفراج عن معتقلين لديهم رمزية كبرى، ما يُعقّد مهمة التفاوض.
بين الضغط الأميركي، والانخراط الإسرائيلي، والتفاوض العراقي، تتحول قضية إليزابيث تسوركوف إلى نموذج معقّد لصراع النفوذ والاستخبارات والسياسة في العراق ما بعد الصراع. وإذا تمت الصفقة بالفعل، فقد تشكل اختراقًا مهمًا في ملف إنساني وسياسي بالغ الحساسية.
