تركيا ومصر تبحثان جهود وقف إطلاق النار وسط مفاوضات “إيجابية” في شرم الشيخ وخطة ترامب لمجلس الأمن وحماس “تذلل العقبات” وتؤكد فشل إسرائيل واحتجاجات عالمية وانتقادات غربية في الذكرى الثانية لطوفان الاقصى
من سعيد العامودي

غزة ـ يورابيا ـ من سعيد العامودي ـ في ظل تطورات متسارعة على الساحة الإقليمية والدولية، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اتصالًا هاتفيًا مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، لبحث تطورات المفاوضات الرامية إلى التوصل لوقف إطلاق نار شامل في قطاع غزة، وذلك في إطار الجهود المبذولة لتنفيذ خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي من المتوقع عرضها قريبًا على مجلس الأمن الدولي للحصول على غطاء دولي ملزم.
الاتصال بين الطرفين جاء في توقيت حساس، حيث تتسارع الخطوات السياسية والدبلوماسية لحلحلة الجمود القائم منذ عامين من الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي خلفت عشرات آلاف القتلى والجرحى، وأنتجت مأساة إنسانية توصف بأنها الأكبر منذ نكبة عام 1948.
مباحثات تركية-مصرية وتنسيق دولي
وبحسب ما نقلته وكالة الأناضول، فإن المباحثات بين فيدان وعبد العاطي شملت مناقشة تفاصيل خطة ترامب، وما يجري من مفاوضات في مدينة شرم الشيخ بين الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني. كما ركّز الجانبان على ضرورة تنسيق الجهود المشتركة لدعم وقف إطلاق النار وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بشكل عاجل إلى قطاع غزة، الذي يعيش على حافة الانهيار التام.
من جانبه، أعلن وزير الخارجية المصري أن المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، سيصل إلى القاهرة خلال الساعات المقبلة، في خطوة تؤكد جدية التحركات الأمريكية الجديدة لفرض حل سياسي ينهي الصراع المستمر. وأضاف عبد العاطي في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيريه الألماني والهولندي أن المفاوضات في شرم الشيخ تسير نحو بحث ترتيبات وقف إطلاق النار، تبادل الأسرى، السماح الكامل للمساعدات الإنسانية، وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية تمهيدًا لانسحاب نهائي من القطاع.
خطة ترامب: 20 بندًا للسلام
الخطة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أواخر سبتمبر الماضي، تتكون من عشرين بندًا تشمل وقفًا فوريًا لإطلاق النار، الإفراج المتبادل عن الأسرى، نزع سلاح حركة حماس بطريقة تدريجية تحت إشراف دولي، ونشر قوات حفظ سلام دولية لحماية المدنيين الفلسطينيين، بالإضافة إلى التزام أمريكي بالحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية ورفض أي محاولة لضم الضفة الغربية أو تغيير الوضع القانوني للقدس الشرقية.
الخطة قوبلت بترحيب عربي واسع، حيث أبدت دول عدة من بينها السعودية، مصر، الأردن، والإمارات استعدادها لدعمها سياسيًا وماديًا، كما تُجري القاهرة تنسيقًا مع الشركاء الأوروبيين لعرضها على مجلس الأمن لاعتمادها كإطار مرجعي ملزم للتسوية السياسية المقبلة.
أجواء إيجابية في شرم الشيخ وحماس تؤكد: نذلل العقبات
وفي ظل هذه التطورات، أفادت مصادر مصرية مطلعة لقناة “القاهرة الإخبارية” أن الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين وفد حركة حماس والوفد الإسرائيلي في شرم الشيخ انتهت في أجواء إيجابية، وسط تفاهمات أولية على عدد من القضايا الإنسانية.
من جانبها، أكدت حركة حماس أنها تبذل جهودًا كبيرة لتذليل العقبات، حيث قال القيادي في الحركة فوزي برهوم إن الوفد المفاوض يسعى جاهدًا للوصول إلى اتفاق شامل يحقق مطالب الشعب الفلسطيني. وشدد على أن الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، تحاول عرقلة المفاوضات كما فعلت في الجولات السابقة، مشيرًا إلى أن الحركة لن تقبل بأي اتفاق لا يحقق الانسحاب الكامل من غزة، وعودة النازحين، وضمان تدفق المساعدات، إلى جانب التوصل إلى صفقة تبادل أسرى شاملة.
خسائر الحرب الإسرائيلية في غزة: أرقام مرعبة
في الذكرى الثانية لبدء عملية “طوفان الأقصى”، التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية في أكتوبر 2023، تكشف الأرقام عن الخسائر الفادحة التي تكبدتها إسرائيل بشريًا واقتصاديًا. فخلال عامين من المعارك، خسر الجيش الإسرائيلي أكثر من ألف ومئة جندي، غالبيتهم من فئة الشباب دون سن الحادية والعشرين. كما قتل قرابة ألف مدني إسرائيلي، بينهم عشرات من الأجانب، فيما سُجلت إصابات بين العسكريين والمدنيين تجاوزت المئة ألف، بعضها بإعاقات دائمة أو اضطرابات نفسية.
الاقتصاد الإسرائيلي تلقى ضربة قاسية نتيجة الحرب، إذ شهدت البلاد موجة نزوح غير مسبوقة، غادر خلالها أكثر من 76 ألف مهاجر، وانخفضت السياحة بنسبة تفوق 68%، وتراجعت الإيرادات بمليارات الدولارات. كذلك خفضت وكالات التصنيف الائتماني تصنيف إسرائيل، وانكمش الاقتصاد بشكل حاد، وسط تراجع ثقة المستثمرين وهجرة واسعة للعقول العاملة في قطاع التكنولوجيا.
في المقابل.. غزة تدفع الثمن الأكبر
رغم الخسائر الإسرائيلية، إلا أن قطاع غزة كان الخاسر الأكبر من الحرب التي حولت أكثر من مليوني إنسان إلى رهائن للجوع والدمار. فقد بلغت حصيلة الشهداء أكثر من 67 ألف شخص، معظمهم من المدنيين، بينهم عشرات آلاف الأطفال والنساء. كما سجل أكثر من 160 ألف جريح، فيما لا يزال 15 ألفًا في عداد المفقودين تحت الركام.
الجوع حصد أرواح أكثر من 400 شخص، بينهم أكثر من 150 طفلًا، فيما شلّ القصف المستمر عمل المستشفيات والمدارس، وتوقفت الخدمات الأساسية تمامًا، ما دفع منظمات دولية إلى وصف ما يجري في القطاع بـ”الإبادة الجماعية”.
الذكرى الثانية لـ”طوفان الأقصى”: حماس تؤكد فشل إسرائيل
في الذكرى الثانية للعملية التي قلبت موازين الصراع، أصدرت حركة حماس بيانًا أكدت فيه أن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة، سواء من حيث القضاء على المقاومة، أو تهجير السكان، أو استعادة أسرى الجيش، أو حتى فرض كيانات بديلة في القطاع.
البيان وصف المقاومة بأنها ثابتة، وأن تضحيات الشعب الفلسطيني لن تذهب سدى، داعيًا المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه الجرائم الإسرائيلية المتواصلة في غزة، ووقف سياسة الكيل بمكيالين التي تغذي الاحتلال وتمنع أي محاسبة حقيقية.
احتجاجات عالمية وتضامن دولي.. وسط انتقادات غربية
وفي الوقت الذي يحيي فيه الفلسطينيون الذكرى الثانية لطوفان الأقصى، خرجت مظاهرات حاشدة في عواصم عدة حول العالم، بينها لندن، باريس، جنيف، سيدني، إسطنبول وستوكهولم، للمطالبة بوقف الحرب ورفع الحصار عن غزة، بينما ندد سياسيون غربيون بهذه الاحتجاجات واعتبروها مسيئة لذكرى ضحايا الهجوم في 7 أكتوبر.
منظمون للمسيرات أكدوا أن المظاهرات جاءت للتنديد بالوضع الإنساني المتدهور، والدعوة لوقف فوري للعدوان، وليس للاحتفال بأي هجوم، مشيرين إلى أن الصمت على ما يجري في غزة لم يعد مقبولًا.
ردود فعل دولية في الذكرى السنوية
الاتحاد الأوروبي دعا إلى الإفراج الفوري عن الرهائن ووقف القتال، بينما جددت فرنسا دعمها لخطة ترامب، مؤكدة أنها تمثل فرصة لتحقيق الاستقرار، رغم التذكير بأن أحداث السابع من أكتوبر شكلت “صدمة لا تُنسى”. من جانبها، رأت إيطاليا أن خطة ترامب تمثل “فرصة نادرة” يجب عدم إضاعتها، بينما عبّرت بريطانيا عن قلقها من تصاعد الاحتجاجات التي وصفتها بأنها “معادية للهوية البريطانية”. السويد أكدت دعمها لحماية الجاليات اليهودية، في حين انتقدت النرويج بشدة “استخدام إسرائيل المفرط للقوة” وتجاوزها حدود الرد المشروع.
بينما تدخل حرب غزة عامها الثالث، تتغير المعادلات السياسية بشكل لافت، إذ يزداد الزخم الدولي نحو حل سياسي شامل يوقف نزيف الدم في القطاع، وسط إجماع عربي وأوروبي نادر خلف خطة ترامب. حركة حماس تسعى لتثبيت مكاسبها عبر اتفاق يتضمن وقف النار وتبادل الأسرى، بينما تواجه إسرائيل ضغوطًا داخلية وخارجية غير مسبوقة دفعتها إلى طاولة المفاوضات. ومع تصاعد الغضب الشعبي عالميًا، يبدو أن الوقت قد حان لإنهاء هذا الفصل المأساوي من الصراع، ووضع حد لمعاناة ملايين المدنيين.