السلايدر الرئيسي

تحول دبلوماسي لافت لكنه غير كاف لوقف المقتلة.. المملكة المتحدة وكندا وأستراليا تعترف بدولة فلسطين في تحدٍ لسياسة واشنطن ولاذكر للعاصمة القدس

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ في خطوة تمثل تحولًا جوهريًا في السياسات الغربية التقليدية تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، أعلنت كل من المملكة المتحدة وكندا وأستراليا، يوم الأحد، اعترافها الرسمي بدولة فلسطين ولكن دون اي ذكر لعاصمة الدولة الفلسطينية القدس الشرقية، في مخالفة واضحة للموقف الأمريكي الرافض لمثل هذا الاعتراف قبل التوصل إلى تسوية نهائية مع إسرائيل.

ويمثل هذا الاعتراف الثلاثي أكبر تحرك منسق من حلفاء رئيسيين للولايات المتحدة للاعتراف بفلسطين منذ إعلانها كدولة عام 1988، ويأتي في سياق دولي متغير يتسم بإعادة تقييم للمواقف من السياسات الإسرائيلية، ولا سيما في ضوء الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

انهيار الخط الأحمر التقليدي

لطالما تبنّت لندن وأوتاوا وكانبيرا موقفًا دبلوماسيًا حذرًا تجاه مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مرتبطًا باشتراط التوصل إلى حل تفاوضي يقوم على أساس “الدولتين”. إلا أن الهجوم الإسرائيلي واسع النطاق على غزة، الذي أودى بحياة أكثر من 64,000 فلسطيني، ساهم في كسر هذا الحاجز السياسي والدبلوماسي، مما حدا بحكومات الدول الثلاث إلى مراجعة مواقفها.

وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد ربط، في تصريحات سابقة، الاعتراف بفلسطين بإحداث إسرائيل لـ”تغييرات جوهرية”، تشمل وقف إطلاق النار، والامتناع عن ضم أراضٍ جديدة، والانخراط الجدي في مفاوضات الحل النهائي. وبغياب أي من هذه المؤشرات، قررت حكومته المضي قدمًا في الاعتراف، في قرار حظي بدعم شعبي وبرلماني واسع.

حلفاء تقليديون لإسرائيل يعيدون التموضع

تُعد هذه الخطوة من قبل بريطانيا وكندا وأستراليا ذات دلالة استراتيجية، إذ أن الدول الثلاث لطالما اعتُبرت من بين أكثر الحلفاء قربًا من إسرائيل والولايات المتحدة في المحافل الدولية. وكان لافتًا أن الإعلان جاء قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي من المتوقع أن تشهد إعلانًا مشابهًا من فرنسا، ما يشير إلى تنسيق دبلوماسي غربي يعيد رسم خطوط المواقف التقليدية.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، خصوصًا في غزة، حيث تتهمها منظمات دولية بارتكاب جرائم حرب و”إبادة جماعية”، وسط دمار شامل وأزمة إنسانية غير مسبوقة.

بريطانيا والتاريخ: تصحيح لمسؤولية تاريخية؟

يحمل الاعتراف البريطاني رمزية خاصة نظرًا لتاريخ بريطانيا في المنطقة، وخصوصًا في ظل إرث وعد بلفور عام 1917، وفترة الانتداب البريطاني على فلسطين. وقد اعتبر كثير من المحللين هذا التحول بمثابة محاولة لموازنة الإرث التاريخي البريطاني في الصراع، عبر الاعتراف المتأخر بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق، صرّحت ديانا بوتو ، المحامية الفلسطينية والناشطة الحقوقية لصحيفة “واشنطن بوست”، أن الاعتراف البريطاني يُعد مهمًا، لكنه جاء “بعد فوات الأوان”، في ظل التدمير المستمر لغزة، معتبرة أن الاعتراف يجب أن يُترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض، كوقف تسليح إسرائيل، وفرض عقوبات على المستوطنين المتطرفين.

الرد الإسرائيلي والأمريكي: رفض وتهديدات

رفضت إسرائيل الاعترافات الغربية، واعتبر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو أن إقامة دولة فلسطينية يشكل “خطرًا وجوديًا على إسرائيل”، و”مكافأة للإرهاب”، في إشارة إلى هجوم حماس في أكتوبر 2023. كما اعتبر أن “دولة جهادية على حدود إسرائيل ستهدد بريطانيا غدًا”، في لهجة تصعيدية لم تمنع تطور المواقف الأوروبية.

من جانبها، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن للمرة السادسة لمنع قرار يطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، ما زاد من عزلة واشنطن في هذا الملف، مقابل اتساع دائرة الدول التي تنأى بنفسها عن الدعم غير المشروط للسياسات الإسرائيلية.

الاعتراف بفلسطين: رمزية سياسية أم نقطة تحول؟

رغم أن الاعتراف لا يمنح فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، التي ما زالت رهينة الفيتو الأمريكي، فإن هذا التطور يحمل بعدًا رمزيًا ودبلوماسيًا كبيرًا، ويُعيد توجيه النقاش الدولي نحو جوهر الصراع: الاحتلال المستمر وتغوّل الاستيطان.

بحسب يوسف ميكلبيرغ، الباحث في “تشاتام هاوس” قال لـ”واشنطن بوست”، فإن هذه الاعترافات تمثل “تغييرًا في الديناميكية الدولية”، لكنها لن تؤدي إلى تغيير فعلي ما لم تقترن بإجراءات ملموسة، مثل الضغط الاقتصادي، وقف التعاون العسكري، أو فرض عقوبات على إسرائيل.

القضية الفلسطينية بين الاعترافات والاصطفافات الجديدة

في سياق هذا التحول، تسعى القيادة الفلسطينية إلى توسيع شبكة الاعترافات الرسمية بدولتها، التي تجاوز عددها 145 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة. وترى وزارة الخارجية الفلسطينية أن هذه الاعترافات “حق تاريخي وقانوني”، وتعكس تزايد الدعم العالمي للحق الفلسطيني، في مواجهة الاحتلال والاستيطان.

وتواجه هذه الاعترافات انتقادات ضمنية من بعض العواصم الغربية، خصوصًا فيما يتعلق بمستقبل حركة حماس، التي تعتبرها دول عدة “منظمة إرهابية”، وترفض أن يكون لها أي دور في الدولة الفلسطينية المستقبلية.

لكن إقصاء فصيل يتمتع بقاعدة شعبية واسعة، وسبق أن فاز في انتخابات شهدت بنزاهتها منظمات دولية، يُعد، بحسب محللين فلسطينيين، تدخلًا في الشأن الداخلي الفلسطيني، وتقويضًا لمبدأ الشراكة الوطنية.

لحظة مفصلية… لكن غير كافية

إن الاعترافات المتسارعة بفلسطين تشكل لحظة سياسية فارقة في مسار الصراع، لكنها تظل غير كافية في ظل استمرار الاحتلال، وتغوّل المشروع الاستيطاني، وتهميش أي عملية تفاوضية حقيقية. إن الاعتراف بدولة فلسطين هو خطوة أولى نحو العدالة، لكنه لن يكون ذا تأثير فعلي ما لم يُترجم إلى ضغط سياسي واقتصادي حقيقي على إسرائيل لإنهاء الاحتلال، وفتح الطريق أمام حل عادل ودائم للصراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى