تأجيل انتخابات سوريا في محافظات حاسمة السويداء والرقة والحسكة وسط توترات أمنية وتصعيد سياسي غير مسبوق
من سعيد إدلبي

دمشق – يورابيا – من سعيد إدلبي ـ أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، السبت، عن تأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة في محافظات السويداء (جنوب البلاد)، والرقة، والحسكة (شمال شرق)، بسبب ما وصفته بـ”التحديات الأمنية” التي تعصف بهذه المناطق، في خطوة تعكس الواقع المعقد الذي تعيشه البلاد على المستويات الأمنية والسياسية.
وأكد نوار نجمة، المتحدث الرسمي باسم اللجنة العليا للانتخابات، في تصريح لقناة “الإخبارية السورية” الرسمية، أن القرار جاء حفاظًا على “التمثيل العادل” لمحافظات السويداء والحسكة والرقة في مجلس الشعب، مع الأخذ في الاعتبار الظروف الأمنية المتدهورة التي لا تسمح بإجراء الانتخابات في الوقت الحالي. وأوضح أن المقاعد البرلمانية المخصصة لهذه المحافظات ستظل محفوظة، وسيتم إجراء الانتخابات فور توفر البيئة الآمنة والظروف المناسبة.
تعيش محافظة السويداء توترات أمنية متصاعدة نتيجة اشتباكات عنيفة استمرت لأكثر من أسبوع بين مجموعات درزية وعشائر بدوية، خلفت مئات القتلى والجرحى، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 19 يوليو/تموز الماضي. ورغم هذا الاتفاق، يبقى الوضع هشًا، مع مخاوف من تجدد العنف. وفي ظل هذا الانقسام الداخلي، استغلت إسرائيل الوضع لتعزيز هجماتها على الأراضي السورية، مدعية حماية الأقلية الدرزية، في ما تعتبره دمشق خرقًا مستمرًا لسيادتها وانتهاكًا لقوانين الحرب.
وفي الشمال الشرقي، تواجه محافظتا الرقة والحسكة تحديات أمنية مستمرة بسبب نشاطات تنظيم “وحدات حماية الشعب” (واي بي جي)، المعروف أيضًا بعلاقته بحزب العمال الكردستاني (PKK)، والذي يستمر في زعزعة الاستقرار رغم الاتفاق الذي وقع في مارس/آذار الماضي بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” فرهاد عبدي شاهين، والذي كان من المفترض أن يضمن هدوءًا نسبيًا في المنطقة.
تأتي هذه التطورات في سياق التحضيرات للانتخابات البرلمانية، التي حدد الرئيس السوري أحمد الشرع في يونيو/حزيران الماضي تشكيل لجنة الانتخابات وتعيين عدد مقاعد مجلس الشعب بـ150 مقعدًا. وفي يوليو/تموز، أعلن رئيس اللجنة محمد طه الأحمد زيادة المقاعد إلى 210، مع نظام يقضي بتعيين ثلث الأعضاء مباشرة من قبل الرئيس، في حين ينتخب الثلثان عبر الاقتراع الشعبي، مما يعكس مزيجًا من السيطرة المركزية والمحاولة الشكلية لتمثيل الشعب.
وفي خطوة لتنظيم العملية، أصدر الرئيس الشرع مؤخرًا مرسومًا يصدق النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب، وحدد شروطًا خاصة بالعملية الانتخابية، تشمل معايير العضوية في مجلس الشعب والهيئات ذات العلاقة، وشروط الانتخاب، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”. ومن المتوقع أن تنطلق الانتخابات في سبتمبر/أيلول المقبل، إلا أن تأجيل الانتخابات في المحافظات الثلاث يثير تساؤلات حول إمكانية إتمام العملية الانتخابية على المستوى الوطني ضمن الجدول الزمني المحدد.
تأتي هذه الأحداث في وقت تشهد فيه سوريا تحولات كبيرة، حيث أنهت فصائل سورية في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سيطرتها الكاملة على الأراضي السورية، منهية 61 عامًا من حكم حزب البعث الدموي، بينها 53 عامًا من سيطرة أسرة الأسد، وهو تطور سياسي واجتماعي بارز يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ البلاد.
لكن على الرغم من هذه التغيرات، لا تزال سوريا تواجه تحديات أمنية خطيرة وأزمات اقتصادية وإنسانية عميقة، تعرقل مسار إعادة البناء وتثبيت الاستقرار، وتضعف فرص الحكومة الجديدة في تأكيد سلطتها كاملة على كامل أراضي البلاد، لا سيما في مناطق السويداء والرقة والحسكة التي تشهد توترات متواصلة وأعمال عنف تهدد وحدة البلاد.
ويُنظر إلى قرار تأجيل الانتخابات في هذه المحافظات على أنه انعكاس مباشر لحالة الانعدام الأمني التي تعيشها سوريا، والتي تعرقل الجهود الرامية إلى إقامة نظام سياسي شامل ومتوازن في مرحلة ما بعد حكم البعث، وسط تأثيرات إقليمية ودولية متشابكة تُزيد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي.