
تشير التوقعات إلى أن المنطقة العربية ستشهد سلسلة من الصراعات المعقدة والمتداخلة تبدأ بحرب أهلية في لبنان، يتبعها صراع حدودي مع سوريا، ثم حرب بين سوريا والعراق، يتطور في ما بعد إلى حرب إقليمية شاملة، وهذه الأوضاع متوقعة أن تستمر حتى عام 2028، وهو العام الذي تم تحديده لعدة اعتبارات استراتيجية وسياسية، وترتبط أهمية عام 2028 بشكل كبير ببناء الدرع الدفاعي الأوروبي في بولندا فوق ممر سوالكي، ومن المتوقع أن تكتمل هذه المنظومة الدفاعية بحلول ذلك العام ليبدأ الغرب وأوروبا بعدها مواجهة مع روسيا في حال فشل روسيا في التوصل إلى اتفاق سلام مع أوكرانيا قبل ذلك التاريخ، أوروبا لم تستطع استنزاف روسيا اقتصادياً من خلال تزويد أوكرانيا بالأسلحة، لذا فإن الخيار الأنسب بالنسبة للغرب هو بدء الحرب الكبرى عام 2028·
أثر هذه الحرب على إسرائيل والمنطقة
تعلم إسرائيل والغرب أن انشغال الغرب بالحرب في أوروبا سيضعف دعمهم لإسرائيل وهذا يعني أن إسرائيل ستدخل حالة ضعف في تلك السنة، ولهذا السبب لا تمتلك إسرائيل خياراً سوى العمل على تأمين حدودها مع لبنان وسوريا والأردن ومصر عبر سياسة توسيع حدودها وتأسيس دويلات طائفية حولها، بحيث تكون تلك الدويلات إما منزوعة السلاح أو مزودة بأسلحة خفيفة لإحلال الأمن الداخلي فقط، ومن الجدير بالذكر أيضاً أن عام 2028 يصادف إتمام إسرائيل عامها الثمانين وهي تدرك جيداً أن هذه السنة ستشهد بداية ضعفها المرتقب وليس هذا بالصدفة إذ يتوافق مع النبوءات الدينية اليهودية والأحداث الحالية مما يشير إلى تقاطع بين السياسة والنبوءات·
الوضع في لبنان ومخططات التقسيم والتصعيد
في الآونة الأخيرة قرر لبنان حصر السلاح بيد الدولة وهو قرار يقابله رفض شبه مؤكد من حزب الله لتسليم ما تبقى من أسلحته، وهذا المناخ يؤشر إلى مواجهات داخلية محتملة في لبنان، وإسرائيل التي ستكمل سيطرتها على غزة لتستعد لضرب الجنوب اللبناني بضربات مماثلة لضربات غزة بهدف إضعاف حزب الله، وبعدها ستسلط قواتها العسكرية على جنوب لبنان مما سيؤدي إلى انسحاب كوادر حزب الله إلى الشمال والشرق وهذا سيؤدي الى مواجه مع المجموعات السنيه المتواجدة في طرابلس بالإضافة الى مواجهة حتمية مع الجيش السوري على الحدود، وهذه المواجهات ستعجل بانطلاق الحرب الأهلية اللبنانية وتمهد لتقسيم لبنان إلى دويلات متناحرة، وبعد السيطرة الإسرائيلية على جنوب لبنان ستكون إسرائيل قد سيطرت على جنوب سوريا أيضاً حيث تبذل جهوداً لتدمير البنية التحتية العسكرية السورية وخاصة السلاح الثقيل، وحسب المخطط الإسرائيلي ستمتد دولة درزية من جنوب سوريا إلى جنوب لبنان لتشكل “حزاماً” أمنياً يحمي إسرائيل، كما ستنشأ دولة مسيحية وأخرى سنية في مناطق أخرى، وهذه الدويلات اللبنانية مرتبطة بالتقسيمات في سوريا·
التقسيمات في سوريا والخطة الإقليمية
زار سوريا وزير الخارجية الروسي مؤخراً في إطار الاتفاقات التي أبرمت في أذربيجان حيث تم الاتفاق على تقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق رئيسية:
الدولة العلوية: تكون في الساحل السوري الذي تسيطر عليه روسيا والذي يشمل مناطق طرطوس واللاذقية·
الدولة الكردية: التي ستصل عبر “ممر داوود” بالدولة الدرزية في جنوب سوريا وجنوب لبنان وستكون خاضعة لسيطرة إسرائيل المباشرة·
الدولة السنية: التي ستغطي وسط سوريا ويجب أن يكون لها منفذ بحري عبر شمال لبنان عبر مدينة طرابلس·
بالنسبة للشيعة سيتم تأسيس دولة في منطقة البقاع وبعلبك وسيتم ارسال بعض القوى الشيعية الى العراق وكل ذلك يأتي في إطار “خريطة الشرق الأوسط الجديد”·
أصل المخطط السياسي وتداعياته
هذا السيناريو مُسطر منذ فترة طويلة ويعود إلى ما بعد نكسة “1967” حيث حرص الغرب على دعم ظهور الجماعات الإسلامية السنية ممثلة بالسلفية الجهادية مقابل تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيعية بقيادة الخميني، مستغلاً الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة والتي تعود جذورها إلى أيام الدولة العثمانية والصفوية لتقويض إقامة الدولة العربية أو الموحدة، هذا المخطط بدأ تنفيذه بوضوح مع الحروب الطائفية التي احتدمت في اليمن عام “2017” والتي تزامنت مع تأهيل الجماعات السلفية في سوريا، أما تركيا التي تعرضت لمحاولة انقلاب في “2016” انضمت إلى المخطط الغربي للحفاظ على السلطة، فيما تحول الفلسطينيون في غزة ولبنان إلى قيادة متشددة مستعدة للقتال وهو ما أُثبت بتدريبهم على وحدة الساحات القتالية·
اتفاقية أبراهام ومشروع ممر الهند أوروبا
في عام “2020” وقعت اتفاقيات إبراهام بين إسرائيل وعدة دول عربية والتي تشمل مشروع ممر الهند – أوروبا، وهو مشروع اقتصادي وسياسي يربط موانئ جبل علي في الإمارات بحيفا في إسرائيل، ويتطلب تأمين هذا الممر من أي مخاطر إيرانية أو من حلفاء إيران في منطقة جنوب سوريا ولبنان، وفي هذا السياق قررت إسرائيل التحرك ضد حزب الله من خلال تفجير مرفأ بيروت مما أدى إلى إضعاف حزب الله عسكرياً وسياسياً خاصة بعد أن أخفق حزب الله في تأمين هذه المواد المتفجرة بعيداً عن المناطق المدنية، وبعد فترة وجيزة تم توقيع اتفاقيات إبراهام بهدوء ومع تراجع الخطاب الإعلامي المعارض للتطبيع مع إسرائيل استمر استكمال تنفيذ مخطط “الشرق الأوسط الجديد” عبر أربع أدوات رئيسية: التقسيم الطائفي، الإعلام، الصورة الاقتصادية والاجتماعية، واستغلال التنظيمات الإسلامية·
التقسيم الطائفي والإعلامي والاقتصادي
بدأ التقسيم الطائفي في لبنان عبر اتفاق الطائف الذي هيأ لحزب الله احتكار السلاح وهذا ما زاد من التوتر بين الطوائف المختلفة، كما دعم الغرب العراق في غزو الكويت ثم احتله وهذا سهل تدخل إيران في المنطقة مكرساً بذلك التقسيم الطائفي في العراق على غرار لبنان، أما إيران فقد تبنت مشروع الهلال الشيعي في العراق وسوريا ولبنان، بينما ساعد الغرب على دعم الجماعات السنية الإسلامية مثل السلفية الجهادية في دول أخرى مثل ليبيا والسودان واليمن لتحقيق توازن بين القوى·
أما من الناحية الإعلامية فقد أنشأ الغرب قناة الجزيرة في قطر لتشكيل رأي عام معارض للأنظمة العربية، وقناة العربية في الإمارات لتكون منبر الحكومات العربية الرسمية، الأمر الذي يُشغل الجمهور العربي بصراع إعلامي داخلي بينما يُكرس الواقع الذي يريده الغرب·
أما من الناحية الاقتصادية والاجتماعية بدأ يُصوَّر الخليج العربي كمنطقة مزدهرة ومتطورة في حين يتم تصوير إيران كعدو إقليمي مهيمن يهدد استقرار المنطقة·
دور الإسلاميين واستمرار الصراعات
ترك الغرب إيران لبناء مشروع ديني – سياسي قائم على ولاية الفقيه مما سمح لإيران بالتحكم بأحزاب شيعية في العراق ولبنان وسوريا واليمن ضمن محور المقاومة الذي يتصرف ضمن مساحة محددة تحت مراقبة الغرب، وفي المقابل دعمت القوى الغربية فصائل السلفية الجهادية في المنطقة الساحلية العربية لتوجيهها ضد إيران وحلفائها مما يفسر وجود تعارض ظاهري بين الحركات الإسلامية السنية والشيعية التي تنفذ أجندات متباينة تخدم مصالح القوى الكبرى·
مشروع الشرق الأوسط الجديد وإسرائيل الكبرى
في كتاب نتنياهو “مكان تحت الشمس” عام “1993” تم رسم خطة إسرائيل الكبرى التي تعتمد على تفتيت البلدان الكبرى إلى دويلات طائفية صغيرة والبدء بتفكيك الجمهوريات الكبيرة مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، والمرحلة التالية ستكون استمرار محاولات تفكيك المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وإيران، والتي ستواجه بعضها البعض ضمن حرب إقليمية وسط تصاعد الصراعات الطائفية والمذهبية وخاصة بين السُنة والشيعة وأزمات الحدود بين العديد من الدول·
دول الصراع المستقبلية والحروب الإقليمية والاقتصادية
الدول الرئيسية التي ستدور عليها هذه الحروب الإقليمية هي تركيا، إيران، مصر، والسعودية، حيث ستتزامن صراعاتهم مع الحرب العالمية الثالثة على الممرات الاقتصادية العالمية الثلاثة: ممر بنما، ممر زينغزور، وممر الهند وأوروبا، هذه الممرات المرتبطة بالاقتصاد العالمي والسيطرة الجغرافية ستكون محور الصراع الحضاري والاقتصادي والسياسي بين المعسكر الغربي والشرقي·
جبهات الحرب العالمية الثالثة
تتوزع جبهات الحرب المفتوحة على الحدود بين الصين، روسيا، إيران، وأوروبا على ثلاثة مسارات، تشمل:
– الجبهة الأوروبية بين روسيا وأوكرانيا مع ازدياد وتيرة التصعيد العسكري·
– جبهة بحر الصين الجنوبي حيث الصين تزيد من انتشارها العسكري في المنطقة·
– الجبهة في الشرق الأوسط حيث إسرائيل، تركيا، إيران، ومصر يتصارعون ضمن مواجهة إقليمية واسعة·
نهاية الصراع والتداعيات المستقبلية
قد تؤدي هذه الصراعات المتعددة والمتشابكة إلى حرب عالمية ثالثة شاملة قد تمتد إلى استخدام الأسلحة النووية في عدة جبهات عالمية بينما تظل جبهة الشرق الأوسط محمية نسبياً من هذا السيناريو لكنها مضطرة لمواجهة حرب إقليمية واسعة تفرض تغيرات جذرية على مصير المنطقة·
خلاصة القول ان ما قدمناه ليس مجرد تنبؤات بل هو قراءة منهجية للوقائع والتحركات الجارية على الأرض التي تشير إلى أن الشرق الأوسط يسير بخطى ثابتة نحو مستقبل مضطرب وإن مخططات التقسيم الطائفي والسيطرة على الممرات الاقتصادية لا تهدف فقط إلى إضعاف دول المنطقة بل إلى تحويلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة، وهذا الواقع المرير يضع شعوب المنطقة أمام تحدٍ وجودي: إما الاستمرار في الاستجابة للمؤامرات الخارجية والانقسامات الداخلية، أو السعي نحو بناء مستقبل مستقل وموحد، وفي الختام إن الرهان كبير ومصير الأجيال القادمة يعتمد على الوعي والتخطيط لمواجهة هذه العواصف القادمة·