
تمضي الأحوال بليبيا إلى التعقد، الذي يجعل من الصعب والمتعذر تحديد نقطة معينة يمكن أن تكون السبب المباشر لحالة الفوضى والغموض التي تعيشها ليبيا اليوم، ومع أن الإجابة السهلة تذهب إلى سقوط نظام الرئيس القذافي ـ أو لا نظامه تحريا للدقة ـ ولكن القصة تعود إلى مقدمات تشكلت مع تأسيس المملكة الليبية المتحدة، تعبيرا عن دمج مقاطعات برقة وطرابلس وفزان، وهي المناطق الشاسعة وقليلة السكان، التي عايشت لفترة طويلة التبعية للإمبراطورية العثمانية، فكانت مثل غيرها من المقاطعات العربية، خاصة في مرحلة تراجع الإمبراطورية، مجرد وعاء ضريبي كبير، ومع توحيد ليبيا، كانت كثافة السكان شخصا واحدا لكل كيلومتر مربع، بينما كانت الأراضي التي أصبحت تشكل المملكة الليبية الناشئة سنة 1951، عدا عن أن المملكة كانت ذات مساحة كبيرة للغاية قياسا لعدد السكان، حيث تجاوزت المليون وسبعمئة ألف كيلومتر مربع تشغل معظمها قبائل بدوية عربية وأمازيغية ذات طبيعة صعبة الانقياد لسلطة مركزية.
يذهب البعض إلى أن القذافي كان مسكونا بمشكلة محدودية الكتلة السكانية في ليبيا، ليتملكه الحلم بأن يحكم بلدا كبيرا مثل مصر، ولذلك يحرك مسيرة كبيرة من آلاف السيارات إلى الحدود المصرية، وبعد استقبالها الفاتر من قبل الرئيس السادات، يلجأ إلى التأرجح بين التودد والغضب لتحفيز المصريين على شكل وحدوي مع ليبيا، ويعمل على تجنيس أعداد كبيرة من مواطني الصحراء الغربية في مصر، على أساس انتمائهم لقبائل قادمة من ليبيا أو ممتدة فيها. وينتقل القذافي بعد مصر إلى تونس، ومن غير طائل أيضا، لينتقل بعد حرب الخليج الثانية إلى افريقيا، ويعلن حلمه بولايات متحدة افريقية، منصبا نفسه ملكاً لملوك القارة السمراء، وفي وسط ذلك، بدت ليبيا وكأنها وقود لأحلام القذافي بالعظمة والسطوة خارج حدود بلاده المثقلة بالتناقضات.
هل كان القذافي معنيا بما يحدث في تشاد أو النيجر بأكثر من اهتمامه بما يجري في طبرق، وهل كان الحوار أو المناكفة مع مصر أو تونس، أولى لديه من النظر بجدية لطبيعة التفاعلات الاجتماعية الجارية في مصراتة أو سبها، وهل كان مقتنعا بأن ليبيا هي مشروعه الأساسي، بالقطع لم يكن القذافي يولي الليبيين الكثير من الاهتمام لأنه رآهم أقل من أن يحققوا أحلامه ويترجموا نظرياته، ولكن ليبيا في حد ذاتها، كانت أكبر كثيرا من القذافي، فأتت مقاربته لتعمد إلى اختزال ليبيا أو تقزيمها ومحاولة حشرها في عقله الضيق، المنفصل عن الواقع، وكيف لا يحدث ذلك، مع مطاوعة الظروف لأحلامه الساذجة، بأن يكون القائد الأوحد لبلد كثيرا ما تصارعت فيه طموحات الإنسان مع واقع جغرافي هائل في فراغه ولا جدواه. لم تكن سلطة القذافي قائمة على بناء مفهوم المواطن الليبي ومنحه أي تعريف ولا صناعة المخيلة الرمزية اللازمة ليشعر المواطن بالانتماء للدولة، فكان القذافي دائم الحديث عن الشعب الليبي، ويحتكر الحديث نيابة عنه، والشعب يفترض أن يحمل الرسالة التي يخطها الزعيم والقائد، ويوجهها للعالم، وداخل ذلك تصبح الهموم الشخصية والأسئلة الأساسية والبسيطة للغاية، أمرا يمكن اعتباره معيقا للمسيرة ولمقتضيات المرحلة، وفي وسط ذلك، بقيت ليبيا تدار بالحد الأدنى من المؤسسات، وجميعها يمكن أن تقوض وأن تستبدل بمجرد خاطرة تعبر في رأس الزعيم، ولم يكن ثمة شيء يمكن الحديث عنه، سوى استمرار تدفق النفط بصورة مركزية تقع تحت سيطرته والمقربين منه، من أجل الاستمرار في مرحلة اللانظام الذي يتمدد في ليبيا.
كان طبيعيا بعد انهيار نظام القذافي أن تبدأ مرحلة من التشظي بين الشرق والغرب، أو إقليمي طرابلس وبرقة، وأن يصبح الانقسام واقعا، فعمليا يتحرك خليفة حفتر وأسرته في الشرق الليبي، وكأنه ملكية أسرية خالصة، بينما تعيش حكومة الدبيبة في طرابلس على أطلال فكرة قديمة عن ليبيا، ويبدو خطابها الذي يتحدث عن شرعيتها على كامل ليبيا، وهي غارقة في مشكلاتها الذاتية التي تبدت بوضوح خلال الأسبوعين الأخيرين، بعد اغتيال عبد الغني الككلي، الذي يرأس كيانا غامضا يدعى «جهاز دعم الاستقرار»، الذي كلف بحماية مقرات الدولة ومهام أمنية أخرى، وبغض النظر عن التراشق حول طبيعة دور الجهاز ورئيسه الككلي، واتهامات كثيرة بالتورط في قضايا فساد، فحادثة الاغتيال كانت مدخلا لاضطرابات على خلفية عشائرية، في مناطق أبو سليم ومصراتة، لتتبدى هشاشة الدولة الليبية أمام تعمق القبيلة في المنظومة الليبية. تواجه ليبيا اليوم مشكلة المزيد من الانقسام، فداخل المنطقة الغربية، انقسام معقد، والمواقف المؤيدة والمعارضة للدبيبة أصبحت تنطلق من موقعه القبلي والقرابي مع المفردات السكانية في ليبيا، ما دفعه للاحتماء بعصبيته القبلية في مصراتة، ليزيد ذلك من الغضب في المناطق التي تساند ثأرية الككلي، وبذلك ينضاف إلى الصراع حول النفوذ والمال صدام بطبيعة قبلية يتسلل إلى المشهد ويمكن أن يعقده بصورة كبيرة.
كثير من مشكلات ليبيا التي تحرك الواقع بدأت قبل أن يولد رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، وبعضها متعمق إلى حد بعيد، ولا يبدو أن الوضع القائم في الشرق يمكن أن يوفر هامش الوقت، أو الظروف الموضوعية التي تساعد حكومة الوحدة على استعادة الهيكل الأساسي للدولة في ليبيا، فهي تشكل ضغطا واسعا، ويبدو أن الغرب يبحث عن نموذج يمكن أن يطرحه مقابل حفتر، وهو النمط السائد في ليبيا في تجربة القذافي، وكان الككلي يمثله أكثر من الدبيبة، ويتساوق مع اعتيادية النظرة الليبية لفكرة الدولة، خلافا لما يقدمه الدبيبة من نموذج يحاول أن يراعي المتطلبات الدولية، ويسعى لبناء علاقات متوازنة مع الكثير من القوى الفاعلة، أو صاحبة المصلحة المباشرة، أو تلك التي ترى في ليبيا فرصة استراتيجية من أجل النفوذ. كما حاولت ليبيا القذافي أن تضطلع بدور كبير وأبعد كثيرا من إمكانياتها، تجد ليبيا نفسها اليوم وكأنها تستورد نصيبا من العالم ومشكلاته، وفي الحالتين كان المواطن الليبي هو الغائب عن المعادلة، وليس ثمة التقاء حقيقي بينه وبين الدولة، والحواضن التي تنافس الدولة، من قبيلة أو إقليم، تفتح ذراعه لتمنحه فرصة الهوية التي تفشل الدولة في بنائها.
في الهزيع الأخير من عمر نظام ثورة الفاتح، خرج سيف الإسلام القذافي ليتحدث عن الفشل الذي سيحدث في تصدير البترول، ليفضح الفكرة المركزية التي جعلت طرابلس وما يشبه المؤسسات فيها مجرد وعاء للاستيلاء على الثورة وإعادة توزيعها، وفقا لما يراه الزعيم، من غير أن يسمح لليبيين المحبوسين في الكتاب الأخضر وأوهامه من مجاراة العصر بالصورة اللائقة، أو الانشغال بأسئلتهم الداخلية وأولوياتهم الوطنية الحقيقية، ولأن تركة القذافي كانت أكثر اهتراءً من أن يتمكن البديل من لملمة أطرافها، في بلد متسع مثل ليبيا. المواطن المغيب في ليبيا يجد نفسه اليوم في صراع مفتوح ومتقلب ومتعدد الأطراف، ويتابع ثرواته المستباحة وأرضه التي تتحول إلى منصة هجرة غير شرعية، يقصدها العابرون الذين يمكن أن يتحولوا إلى مرتزقة مستقبليين كما حدث في زمن القذافي، وللأسف فلا أحد من السلطة السياسية، شرقا أو غربا، يتوقف ليسأل نفسه، ما الذي قدمته لليبيين، وكأنهم بطريقة أو بأخرى يعيدون سؤال القذافي: من أنتم؟
كاتب أردني
عن صحيفة القدس العربي اللندنية