السلايدر الرئيسيشمال أفريقيا

المغرب: الداخلية تفرض دورية جديدة لترشيد النفقات على كافة المؤسسات العمومية

من فاطمة الزهراء كريم الله

الرباط ـ يورابيا ـ من فاطمة الزهراء كريم الله ـ في إجراءات صارمة وغير مسبوقة فرضت وزارة الداخلية المغربية دورية جديدة، تهدف إلى فرض الانضباط المالي وتوجيه الإنفاق نحو المشاريع ذات الأثر المباشر على المواطنين ، من خلال تأطير إعداد وتنفيذ ميزانيات المحافظات لسنة 2026، في خطوة تأتي في سياق اجتماعي وسياسي دقيق.
يأتي ذلك تزامنا مع احتجاجات مستمرة يقودها شباب “الجيل زد” (Gen Z) للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وتوفير فرص الشغل. وجاء هذا التوجه، الذي فرضته دورية وزارية جديدة، كاستجابة مباشرة للتوجيهات الملكية ، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول مستقبل صلاحيات المجالس المنتخبة. فبينما تسعى الوزارة لمعالجة الاختلالات العميقة المتمثلة في سوء التدبير وهدر الموارد، فإن ميزان القوى الجديد الذي تكرسه الدورية لصالح الرؤساء والمحافظين قد يهدد الشرعية الديمقراطية للمحافظات.
وجاءت محاور الدورية الوزارية، الصادرة بتاريخ 6 أكتوبر 2025، لتعكس بشكل مباشر أبرز المطالب التي يرفعها الشباب المحتج في مختلف المناطق، حيث ركزت على أربعة محاور جوهرية تتمثل في دعم التشغيل، وتقوية الخدمات الاجتماعية في التعليم والصحة، واعتماد تدبير استباقي للموارد المائية، وإطلاق مشاريع تأهيل مندمجة.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن الحكومة، من خلال ذراعها التنفيذي وزارة الداخلية، تحاول إرسال رسالة مفادها أنها تستمع لنبض الشارع وتسعى لمعالجة الأسباب الجذرية للسخط الاجتماعي، عبر إلزام المحافظات بالانتقال من منطق التسيير الإداري البحت إلى برمجة مشاريع ذات تأثير ملموس، وذلك تنفيذا لما جاء في خطاب العرش لسنة 2025.
تأتي هذه المقاربة، أيضا لمكافحة مظاهر الفساد وسوء التدبير التي تغذي بدورها الاحتجاجات، تضع الديمقراطية المحلية أمام تحد حقيقي. ففي الوقت الذي يطالب فيه “الجيل زد” بمزيد من الشفافية والمشاركة في صنع القرار، يأتي تشديد الرقابة المركزية ليقلص من هامش المناورة لدى المنتخبين المحليين الذين يمثلون الإرادة الشعبية على المستوى الوطني.
تعليقا على الموضوع، أكد المحلل الاقتصادي محمد جدري، أن المشكلة الرئيسية في المغرب لا تتعلق بنقص الإمكانيات المالية بقدر ما ترتبط بسوء تدبيرها، مشيرا إلى أن الفساد وضعف نجاعة الاستثمارات العمومية يتسببان في إهدار ملايير الدراهم سنويا. ودعا إلى ضرورة تعميم الدورية الجديدة لوزارة الداخلية، المتعلقة بترشيد النفقات، على كافة المؤسسات العمومية والقطاعات الحكومية والمجالس المنتخبة ، مع التحذير من المساس بالاختصاصات التي يمنحها القانون المحافظات المنتخبة . موضحا في اتصال مع ” يورابيا” أن نجاعة الاستثمارات العمومية في المغرب هي أقل من المستوى العالمي، مستدلا بمؤشر “ICOR” الذي يقيس العلاقة بين الاستثمار والنمو. وأشار إلى أنه بينما تحتاج دول أخرى إلى 5 أو 6 نقاط من الناتج الداخلي الخام لتحقيق 1% من النمو، يحتاج المغرب إلى 11 أو 12 نقطة، وفي المقابل، تحقق مصر نفس نسبة النمو بـ 3 نقاط فقط من ناتجها الداخلي الخام، مما يكشف عن وجود إشكال حقيقي في تدبير الإمكانيات المالية المتاحة.
وقال المتحدث ذاته، أن الفساد يمثل التحدي الثاني الذي يستنزف المالية العمومية، حيث يتسبب في ضياع ملايير الدراهم سنويا. وكمثال على ذلك، ذكر أن المشاريع التي تقدر تكلفتها بمبالغ معينة، مثل 100 مليون، يتم إنجازها بتكاليف أعلى بكثير، كما أن الصفقات العمومية يستفيد منها “عديمو الضمائر”، وفقا لتعبيره، مما يفرض ضرورة تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة.
وأشار المحلل الاقتصادي، إلى أن ترشيد نفقات التسيير سيمكن من توجيه الموارد المالية نحو القطاعات ذات الأولوية التي تلبي الحاجيات الحقيقية للمغاربة، وعلى رأسها تطوير المنظومة التعليمية والصحية، وتحسين مناخ الأعمال، وخلق ظروف أفضل لتشغيل الشباب. مشددا على أن الاستثمارات يجب أن توجه نحو القطاعات التي تعود بالنفع المباشر على الشباب وتساهم في خلق القيمة المضافة ومناصب الشغل.
وحذر جدري ايضا، من أن تفعيل هذه الدورية، التي تقع مسؤوليتها على عاتق العمال والولاة، يجب ألا يتجاوز حدوده ليصبح أداة للمساس باختصاصات الجماعات الترابية التي تستمد شرعيتها من الانتخابات. وأوضح أن الجماعات تمتلك شرعية انتخابية، بينما يمتلك الولاة والعمال شرعية التعيين، وهو ما يفرض إيجاد توازن يضمن المرونة في الرقابة على الميزانيات دون أن يتحول الوالي أو العامل إلى من يقوم بالدور الأصيل للمنتخبين. وخلص قوله، بالتنبيه إلى أن الإفراط في تقييد صلاحيات الجماعات قد يؤدي إلى إضعاف شرعيتها لدى المواطنين، وقد يتسبب في عزوف الكفاءات عن الترشح لتدبير الشأن المحلي مستقبلا، إذا ما تحولت أدوارها إلى مجرد إجراءات شكلية تابعة لقرارات وزارة الداخلية.
ويذهب محللون أن هذا التشديد يضع السلطات أمام مفارقة دقيقة، تتمثل في محاولة تحقيق النجاعة الإدارية والمالية من جهة، وخطر إضعاف مؤسسات القرب المنتخبة من جهة أخرى، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات بدلا من حلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى